أخبار الموقع
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: htoumiat@nebrasselhaq.com

الثلاثاء 15 رجب 1433 هـ الموافق لـ: 05 جوان 2012 08:27

- تفسير سورة الحجرات (7) وجوب التثبّت من الأخبار

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)}.

المسألة الأولى: المناسبة.

هذا نداء ثالث من المولى تبارك وتعالى لعباده المؤمنين يُقصد به غرض آخر، وهو آداب جماعات المؤمنين بعضهم مع بعض.

فبعد ذكر الأدب مع الله تعالى بالتّقوى والطّاعة، وذكر الأدب مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالسّمع والطّاعة، وترك التقدّم بين يديه صلّى الله عليه وسلّم بأمر، والنّهي عن رفع الصّوت بحضرته، بدأ المولى تعالى في ذكر الأدب مع الخلق.

المسألة الثّانية: سبب النّزول.

كلّ المفسّرين على أنّ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط رضي الله عنه، وسنبيّن وجه قولهم ذلك إن شاء الله.

روى الإمام أحمد عن الحارِثِ بنِ أبي ضرَارٍ الخزَاعِيِّ رضي الله عنه قالَ:

قَدِمْتُ علَى رسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَدَعَانِي إلى الإِسْلَامِ، فَدَخَلْتُ فِيهِ وَأَقْرَرْتُ بِهِ، فَدَعَانِي إِلَى الزَّكَاةِ فَأَقْرَرْتُ بِهَا، وقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي فَأَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَنْ اسْتَجَابَ لِي جَمَعْتُ زَكَاتَهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم رَسُولًا لِإِبَّانِ كَذَا وَكَذَا؛ لِيَأْتِيَكَ مَا جَمَعْتُ مِنْ الزَّكَاةِ.

فَلَمَّا جَمَعَ الْحَارِثُ الزَّكَاةَ مِمَّنْ اسْتَجَابَ لَهُ، وَبَلَغَ الْإِبَّانَ الَّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِ، احْتَبَسَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، فَلَمْ يَأْتِهِ، فَظَنَّ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنْ اللهِ عزّ وجلّ وَرَسُولِهِ صلّى الله عليه وسلّم !

فَدَعَا بِسَرَوَاتِ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ وَقَّتَ لِي وَقْتًا يُرْسِلُ إِلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنْ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الْخُلْفُ، وَلَا أَرَى حَبْسَ رَسُولِهِ إِلَّا مِنْ سَخْطَةٍ كَانَتْ، فَانْطَلِقُوا فَنَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم.

وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ رضي الله عنه إِلَى الحَارِثِ؛ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنْ الزَّكَاةِ.

فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرِقَ، فَرَجَعَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، وقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ وَأَرَادَ قَتْلِي !

فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الْبَعْثَ إِلَى الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ إِذْ اسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ، فَقَالُوا: هَذَا الْحَارِثُ !

فَلَمَّا غَشِيَهُمْ قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ ؟ قَالُوا: إِلَيْكَ، قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ رضي الله عنه، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ !

قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صلّى الله عليه وسلّم بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً وَلَا أَتَانِي !

فَلَمَّا دَخَلَ الحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي ؟! ))

قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ سَخْطَةً مِنْ اللهِ عزّ وجلّ وَرَسُولِهِ.

قَالَ: فَنَزَلَتْ الْحُجُرَاتُ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} إِلَى هَذَا الْمَكَانِ:{فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

وروى الطّبريّ مثل ذلك عن أمّ سلمة، وابن عبّاس، وجابر رضي الله عنهم، ومجاهد، وقتادة، وابن أبي ليلى، ويزيد بن أبي رومان، وذكر غيرُه مثل ذلك عن الضحّاك ومقاتل بن حيّان[1].

وقد وقف النّاس من هذا الأثر مواقف مختلفة:

1- فمنهم من صحّحه، ولم يذكر شيئا فيما جرى من عقبة رضي الله عنه، وعدّ هذا زلّةً من الزلاّت الّتي تقع من الصّحابة رضي الله عنهم.

2- ومنهم من صحّحه، واتّخذه سببا للطّعن في بعض الصّحابة، وأنّهم ليسوا كلّهم عدولا، بل إنّ بعضهم تجاوز الوليد فطعن في الخليفة الرّاشد عثمان رضي الله عنه، لأنّه ولاّه على عهده.

3- ومنهم من ردّه وضعّفه، ومن أشهر هؤلاء ابن العربي المالكيّ رحمه الله في " العواصم من القواصم "، ومن المعاصرين الشّيخ عبد الرّحمن المعلّمي رحمه الله في " الأنوار الكاشفة "، وربّما من أجل ذلك لم يذكره الشّيخ مقبل رحمه الله في " الصّحيح المسند من أسباب النّزول ".

والّذي اعتمده ابن العربيّ في تضعيف هذا الأثر أمور أشهرها:

الأوّل: أنّ الأسانيد معلولة، فكيف يُطعن في رجل بهذه الأسانيد، بلْهَ إذا كان من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

الثّاني: أنّ الوليد بن عقبة كان عام الفتح صبيّا، وذلك لما رواه أبو داود عن الوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ رضي الله عنه قالَ: لَمَّا فَتَحَ نَبِيُّ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مَكَّةَ، جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ وَيَمْسَحُ رُءُوسَهُمْ، قَالَ: فَجِيءَ بِي إِلَيْهِ وَأَنَا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجْلِ الْخَلُوقِ.

قالوا: فكيف يستعمله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الزّكاة ؟!

4- ومنهم من صحّحه وأحسن في توجيهه، وعلى رأس هؤلاء ابن عبد البرّ رحمه الله، ومن المعاصرين الشّيخ الطّاهر ابن عاشور رحمه الله، ومجمل أجوبتهم عن ذلك ما يلي:

أوّلا: ضعف الأسانيد ينجبر بكثرة الطّرق، وقد كثرت عن جمع من الصحابة والتّابعين.

ثانيا: رواية أبي داود أنّه كان صبيّا عام الفتح منكرة عند المحقّقين من أهل الحديث، ويعارضها بوضوح ما ذكره أهل المغازي والسّير كالزّبير بن بكّار وغيره من أهل العلم بالسّير، أنّ أمّ كلثوم بنت عقبة لمّا خرجت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مهاجرة في الهدنة سنة سبع خرج أخواها الوليد وعمارة ليردّاها، فمن يكون صبيّاً يوم الفتح كيف يكون ممّن خرج ليردّ أخته قبل الفتح ؟!

ثالثا: وصف الفاسق في الآية ليس منصبّا على الوليد لأسباب:

أوّلها: أنّ رواية أحمد في سبب النّزول محتصرة، والرّوايات الّتي يذكرها غيره كالإمام الطّبريّ وعبد الرزّاق تبيّن أنّه:

كان بين الوليد وبني المصطلق عداوة وشحناء في الجاهليّة، وأنّه كان متخوّفا من ذهابه إلى بني المصطلق، فلقيه رجل بالطّريق وأعلمه أنّ بني المصطلق عزموا على منع الزّكاة وعلى قتله، فمن أجل ذلك فرِق ورجع وحدّث بما ظنّ أنّه الواقع.

فوصف الفاسق في الآية ليس منصبّا على الوليد وإنّما على من أخبره.

ثانيها: ما قاله الفخر الرّازي رحمه الله:" إنّ إطلاق لفظ الفاسق على الوليد شيء بعيد، لأنّه توهَّم وظنّ فأخطأ، والمخطئ لا يسمّى فاسقاً ".

قال الطّاهر بن عاشور رحمه الله:

" ولو كان الوليد فاسقاً لما ترك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تعنيفَه، واستتابتَه؛ فإنّه روى أنه لم يزد على قوله له: (( التَبَيُّنُ مِنَ اللهِ، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ ))، إذ كان تعجيل الوليد الرّجوع عجلة، وقد كان خروج القوم للتعرّض إلى الوليد بتلك الهيئة مثارَ ظنِّه حقاً، إذ لم يكن المعروف خروج القبائل لتلقّي السّعاة.

هذا أحسن ما يمكن توجيه سبب النّزول به، والله أعلم.



[1] ملحوظة: لم يأت في روايات الطّبريّ رحمه الله ذكر الحارث بن أبي ضرار ألبتّة.

أخر تعديل في الثلاثاء 15 رجب 1433 هـ الموافق لـ: 05 جوان 2012 08:31

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.