الخميس 23 صفر 1432 هـ الموافق لـ: 27 جانفي 2011 14:06

- السّيرة النّبويّة (30) مقاطعة قريش للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وآله

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فإنّه بإسلام عمر رضي الله عنه، سقط أمل الكافرين في الأخذ بزمام الأمور ..

وبإصرار الكفّار على موقفهم سقط أمل المسلمين في الأخذ بأيدي المشركين إلى رحاب الله ربّ العالمين ..

لقد سقط أمل كلّ من الفريقين .. أمل كان يلوح بالأفق، واتّضحت الرّؤية على أرض مكّة .. إمّا الله .. وإمّا غيره .. إمّا التّوحيد وإمّا الشّرك .. إمّا الهدى وإمّا الضلال ..

الكفّار أملوا أن يعيدوا دين آبائهم .. والمسلمون أملوا أن ينشروا دين بارئهم ..

وأغضبت تلك الهزيمةُ قريشا، فعزمت على العود إلى التّعذيب من جديد .. وسيكون هذه المرّة أقسى وأغلظ وأشدّ ..

ستصل أنيابهم إلى الجميع دون تفريق .. لقد قرّروا أن تمتلئ مكّة دماء، وها هم يمسكون بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يضربونه ضربا شديدا حتّى أسالوا دمه ..

روى الإمام أحمد بسند صحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: جَاءَ جِبْرِيلُ عليه السّلام إِلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ جَالِسٌ، حَزِينٌ، قَدْ خُضِبَ بِالدِّمَاءِ، ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ: وَمَا لَكَ ؟

فَقَالَ لَهُ: (( فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ وَفَعَلُوا ))...

فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عليه السّلام: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً ؟

قَالَ: (( نَعَمْ )).

قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي، فَقَالَ: ادْعُ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ ! فَدَعَاهَا، فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ ! فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( حَسْبِي )).

عبرة:

في هذه الحادثة بيانٌ لمنزلة دلائل النبوّة في العقيدة الإسلاميّة والصّبر على الدّعوة إلى الله عزّ وجلّ؛ حيث إنّ الله تعالى سلّى نبيّه وعزّاه بمعجزة من المعجزات، فما كان منه صلّى الله عليه وسلّم إلاّ أن قال: (( حَسْبِي )).

ومن فضائل معرفة دلائل النبوّة: تحصيل اليقين ... اليقين الّذي به احتجّ هرقل على أبي سفيان حين قال له: فهل يرتدّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فقال: لا ! فقال له: وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ..!

وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله:{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [العنكبوت:49].

وها هي الكاتبة الألمانيّة زيغريد هونكه تذكر في كتابها " شمس الله تسطع على الغرب " أنّها قد قرأت القرآن كلّه، فانبهرت من تعاليمه، وأحكامه، ولكنّها لم تُسلم ..

ثمّ بقِيَت تطالع وتطالع دواوين السنّة، حتّى وقفتْ على حادثة أبهرتها ! تلكم الحادثة كانت في ليلة من اللّيالي: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنْ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ )).

فذكرت أنّ طمأنينة القلوب الصّحيحة والفطر السّليمة بالله وسكونها إليه من أعظم الآيات، إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل.

لذلك تجدون أكثر النّاس تردّدا واضطرابا، وقلقا وانقلابا، هم الذين لا يطمئنّون بذكر الله.

ونعود إلى مكّة ..

آيةٌ من آيات الله مسحت عنه صلّى الله عليه وسلّم تلك الدّماء النّازفة، وتلك الدّموع الحارقة .. فيعود إلى مكّة ثانية فيجد أتباعه يفترشون الرّمضاء، تنهشهم السّياط، ممّا جعلهم يستأذنون للهجرة من جديد .. وكانوا هذه المرّة أكثر من الأولى، فأذن لهم رضي الله عنهم.

خبر الصّحيفة والحبس الجماعيّ ..

وأصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحبشة، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومن بقِي معه في أرض مكّة، يوما يعذّبون، ويوما يكذّبون، ويوما يغالبون..

وتمادى الكفّار في بغيهم، وطغيانهم وظلمهم .. فقد اشتدّ المشركون على المسلمين كأشدّ ما كانوا، فأجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

روى الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه:

أَنَّ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ، فَتَعَاهَدُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ ! قَالَ: فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَبْكِي، حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا، فَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِكَ فِي الْحِجْرِ قَدْ تَعَاهَدُوا أَنْ لَوْ قَدْ رَأَوْكَ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ ؟! قَالَ:

(( يَا بُنَيَّةُ ! أَدْنِي وَضُوءًا )) فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هُوَ هَذَا ! فَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ وَعُقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ، فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ.

فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَحَصَبَهُمْ بِهَا، وَقَالَ:

(( شَاهَتْ الْوُجُوهُ )) فَمَا أَصَابَتْ رَجُلًا مِنْهُمْ حَصَاةٌ إِلَّا قَدْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا.

غبار عارٍ لا يُغسل إلاّ بالدّم .. ممّا جعل أبا طالب يعزم على حماية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من كيدهم.

وشاع الخبر بأنّ بني عبد المطّلب وراء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم..وعزموا على أن يدخل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم شِعبَ بني عبد المطّلب..

فاجتمع المشركون، وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني المطّلب على أن لا ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم.

فلمّا اجتمعوا لذلك، كتبوه في صحيفة، ثمّ تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثمّ علّقوا الصّحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، وكان كاتب الصّحيفة منصور بن عكرمة بن عامر، ويقال النّضر بن الحارث.

فلمّا فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم.

فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتّى جهِدوا، لا يصل إليهم شيءٌ إلاّ سرّا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش.

وفي مثل هذه الأحزان يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ )). [رواه التّرمذي وابن ماجه].

ويقول ابن سيرين:" إن كان الرّجل من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يأتي عليه ثلاثة أيّام لا يجد شيئا يأكله، فيأخذ الجلدة فيشويها، فإذا لم يجد شيئا أخذ حجرا فشدّ صلبه ".

ويقول سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه:" ولقد رأيتني مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخرجت من اللّيل أبول، وإذا أنا أسمع قعقعة شيء تحت بولي، فنظرت فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها، فغسلتها، ثمّ أحرقتها فرضضتها بين حجرين، فأكلتها وشربت عليها ماءً، فقويت عليها ثلاثا "..

هذه حال الرّجال .. فكيف كان حال النّساء والأطفال ؟ كيف كان حال فاطمة، وأمّ كلثوم، وزينب، ورقيّة ؟

( فائدة ):

هذا المكان الّذي وقع فيه الحصار عُرِف بالمحصَّب، وصار من السنّة ( التّحصيب ): وهو النّزول بــ (المحَصَّب)، وهو: الشَّعب الذي مَخْرَجُه إلى الأبطح بين مكّة ومِنَى، وهو أيضاً (خَيْف بني كنانة).

والمبيت بالأبطح يكون ليلةّ التّاسع من ذي الحجّة، روى مسلم عن نافع أنّ ابن عمر رضي الله عنه كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً.

وأقوى منه ما رواه الطّبرانيّ في "الأوسط" عن عمر ابن الخطّاب رضي الله عنه قال: ( من السنّة النزول بــ (الأبطحِ) عشية النَّـفْرِ ). ["الصّحيحة" برقم (2675)] فكأنّ ابن عمر رضي الله عنه تلقّى ذلك من أبيه رضي الله عنه.

ويؤكّد سنّيته ما رواه البخاري ومسلم أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ وَهُوَ بِمِنًى:

(( مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ- يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ - وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ )).[1]

قال ابن القيم في "زاد المعاد" (2/294):

" قصد النبّي صلّى الله عليه وسلّم إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله. وهذه كانت عادته صلّى الله عليه وسلّم أن يُقيم شعار التّوحيد في مواضع شعائر الكفر والشّرك كما أمر صلّى الله عليه وسلّم أن يُبَنى مسجد الطّائف موضع اللاّت والعزّى ).

فكيف كان موقف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من هذه المقاطعة ؟ وإلى ما آلت إليه هذه الفاجعة ؟

هذا ما سوف نراه لاحقا إن شاء الله.



[1] وأمّا ما رواه مسلم عن عائشة أنّ نزول الأبطح ليس بسنّة، وعن ابن عبّاس أنّه ليس بشيء، فقد أجاب عنه المحقّقون بجوابين:

الأوّل: أنّ المُثبِت مقدّم على النافي.

والآخر: أنّه لا منافاة بينهما، وذلك أنّ النّافي أراد أنّه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، والمثبت أراد دخوله في عموم التأسّي بأفعاله صلّى الله عليه وسلّم، لا الإلزام بذلك.

أخر تعديل في الخميس 29 صفر 1432 هـ الموافق لـ: 03 فيفري 2011 09:23
عبد الحليم توميات

آخر المواضيع:

الذهاب للأعلي