الأربعاء 06 ربيع الأول 1432 هـ الموافق لـ: 09 فيفري 2011 21:57

73- حكم الإمام يطيل الصّلاة

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

نصّ السّؤال:

... أصلّي بالنّاس في أحد المساجد، بحكم أنّي أحفظُهم لكتاب الله عزّ وجلّ - والحمد لله -، ثمّ إنّ بعضهم قد أنكر عليّ إطالة الصّلاة، وبعضهم الآخر يطالبني بالإطالة ! فرأيت الحلّ في اعتزال الصّلاة بالنّاس.

فأنا في حيرة من أمري، وأخشى أن أكون آثما في اعتزالي الصّلاة بهم ! أفيدونا بالأدلّة جزاكم الله خيرا. والسّلام عليكم.

نصّ الجواب:

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:

فمسألة إطالة الصّلاة مسألة نسبيّة إضافيّة، بمعنى أنّه: يُنظر دائما إلى المصلّين الّذين هم خلف الإمام، فله معهم حالتان:

· الحالة الأولى:

أن يكون أغلب من معك من المصلّين، على درجة لا بأس بها من الاستقامة على تعاليم الشّريعة، غير حديثي عهدٍ بها، فهؤلاء يمكنك أن تُطيل بهم الصّلاة على النّحو المعتدل؛ لما يغلب على الظنّ من أنّهم لا يستاءون من ذلك.

وإن وُجد منهم من يصاب بالانزعاج، فإنّه لن يضرّ، لأنّ غاية ما يمكنه أن يفعله هو: الانزعاج ثمّ يكتم ذلك احتراما للأغلبيّة.

والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثبت عنه أنّه كان يُطِيل الصّلاة في كثير من الأحاديث، إطالةً لا يمكن أحدنا اليوم أن يفعلها؛ وذلك لأنّ من كان يُصلّي خلفه هم من خيرة النّاس الّذين اتّبعوه في كلّ شيء، حتّى عادت الصّلاة إليهم أحبّ إليهم من الدّنيا وما فيها.

فقد روى البخاري ومسلم عن جبيرِ بنِ مطعمٍ رضي الله عنه قال: ( سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ).

وروى مسلم عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: ( لَقَدْ كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتِي وَرَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا ).

ولكنّه كان يخفّف، ويأمر بالتّخفيف إمّا: لعارض، أو ليبيّن لأمّته أنّه يجوز ترك الإطالة، أو اتّقاء الفتنة. وهذا ما يندرج تحت:

· الحالة الثّانية:

أن يكون من يصلّي خلفك من حديثي عهد باستقامة، أو يكون أغلبهم من ضِعاف الإيمان، أو من المسنّين، أو ممّن يعادون السنّة، فهنا لا بأس - بل من الحكمة - ألاّ تطيل الصّلاة أكثر من المعهود. وإن صلّيت بمفردِك فأطِل كيف شئت.

روى مسلم عن عثمان بنِ أبي العاصِ رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ )).

ومن ذلك ما جاء في قصّة معاذ رضي الله عنه، فقد روى البخاري عن أبي مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ )).

فالحكمة هي وضعُ الشّيء موضعَه، وإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يترك الشّيء مخافة أن يشقّ على أمّته، فلا بدّ أن نتّبعه في ذلك.

وتذكّر أنّ إطالة الصّلاة سنّة، وأمر مستحبّ، فلا ينبغي أن نُحدث فرقة واختلافا من أجل شيء مسنون.

تتمّة:

يبقى الإمام على ما هو عليه من التّخفيف، ويعلّم النّاس شيئا فشيئا صلاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنّه كان يطيل أحيانا، وخاصّة في صلاة الفجر، فإذا تعلّم النّاس الأحكام تقبّلوها بعد ذلك بصدرٍ رحْبٍ.

كما أنّه إن أردا إطالة الصّلاة بالنّاس، فإنّه يطيل في كلّ مرّة شيئا فشيئا، حتّى يتعوّدوا على السنّة، و( إنّ الخيـر عـادة ) كما قال ابن مسعود رضي الله عنه.

والله أعلم.

أخر تعديل في الأربعاء 06 ربيع الأول 1432 هـ الموافق لـ: 09 فيفري 2011 22:00
عبد الحليم توميات

آخر المواضيع:

الذهاب للأعلي