الخميس 23 رمضان 1439 هـ الموافق لـ: 07 جوان 2018 11:26

- أحكام وآداب الصّيام (25) أحكام الاعتكاف وآدابه

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فإنّ من المباحث الّتي بقِي علينا معرفتها فيما يتعلّق بالاعتكاف: مبطلاته، ثمّ ما يُباح للمُعتكِف فعلُه.

المبحث السّادس: مبطِلات الاعتكاف.

يبطل الاعتكاف بأحد أمرين:

1- الجماع.

 

فإذا انصرف المعتكِف إلى بيتِه لحاجةٍ، فإنّه لا يحلّ له أن يواقِع أهله، وهذا بإجماع العلماء؛ لقوله تعالى:{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}.

قال ابن عبّاس رضي الله عنه:" هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرّم الله عليه أن ينكح النساء ليلا ونهارا حتى يقضي اعتكافه ".

وقال الضحاك ومجاهد وقتادة وغيرهم: كان الرّجل إذا اعتكف فخرج من المسجد، جامع إن شاء، فقال الله تعالى:{وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} أي: لا تقربوهنّ ما دمتم عاكفين في المسجد.

- أمّا القبلة والمعانقة: فإن كانت بشهوة فلا يحلّ له ذلك، وهو آثِم باتّفاق العلماء.

ولكن هل يبْطُل اعتكافُه ؟ جمهور العلماء على أنّه لا يبطُل إلاّ إذا أنزل؛ لأنّ الآية على تفسير جميع الصّحابة لم تشمل إلاّ الجماع.

روى الطّبريّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال:" المباشرة: الجماع، ولكنّ الله كريمٌ يُكَنِّي ما شاء بما شاء ".

قال ابن كثير رحمه الله:" وليس له أن يُقَبِّل امرأتَه، ولا يضمّها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافِه ".

2- الخروج من المسجد بجميع البدن، بلا عذر:

فهذا يبطل اعتكافه باتّفاق الأئمّة كذالك؛ لمنافاته لركن الاعتكاف.

وقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: ( كَانَ - أي: النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا )).

["فتح القدير" (2/396)، و"الدرّ المختار" (2/447)، و"الشّرح الكبير وحاشيته" (1/543)، و"الأمّ" (2/108)، و"المجموع" (2/500)، و"روضة الطّالبين" (2/404)، و"كشّاف القناع" (3/362)، و"المحلّى" (5/188)]. 

وهل يحلّ له الخروج للأكل والشّرب ؟

فإن كان هناك من يأتيه بالطّعام والشّراب فلا يحلّ له الخروج. وإلاّ جاز له.

المبحث السّابع: ما يُباح للمعتكف.

1- الخروج لأمر لا بدّ له منه طبعاً أو شرعاً:

فما لا بدّ منه طبْعاً: الخروج لقضاء الحاجة، والأكل أو الشّرب إن تعذّر عليه دون الخروج، وما أشبه ذلك كالخروج للقيء، أو غسل نجاسة.

قال ابن المنذر رحمه الله:" وأجمعوا على أنّ للمعتكف أن يخرجَ عن مُعتَكَفِه للغائط والبول " [" الإجماع " لابن المنذر (ص 54)].

وقال ابن هبيرة رحمه الله:" وأجمعوا على أنّه يجوز للإنسان الخروج إلى ما لا بدّ منه كحاجة الإنسان ..." [" الإفصاح " (1/259)].

لكن إن طال مكثه بعد حاجته فسد اعتكافه. [" فتح القدير " (2/396)، و" المجموع " (6/502)، و" شرح العمدة " (2/835)].

قال ابن كثير رحمه الله:" ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بدّ له منها، فلا يحلّ له أن يتلبَّث فيه إلاّ بمقدار ما يفرُغ من حاجته تلك، من قضاء الغائط، أو أكل ... ولا يعود المريض، لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه "اهـ.

وما لا بدّ منه شرعا: الاغتسال من الجنابة.

2- ويجوز له أن يُخرِج رأسَه من المسجد؛ ليُغسَّل ويُسرَّح.

قالت عائشة رضي الله عنها: وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ [مُعْتَكِفٌ] فِي المَسْجِدِ [وَأَنَا فِي حُجْرَتِي]، فَأُرَجِّلُهُ - وفي رواية: فَأَغْسِلُهُ، وَإِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَعَتَبَةَ البَابِ وَأَنَا حَائِضٌوَكَانَ لاَ يَدْخُلُ البَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفاً.

[رواه الشّيخان، وابن أبي شيبة، وأحمد، والزيادة لهما].

3- وله أن يتّخذ خيمة صغيرة في مؤخّرة المسجد يعتكف فيها؛ لأنّ عائشة رضي الله عنها كانت تضرب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم خباءً إذا اعتكف، وكان ذلك بأمره صلّى الله عليه وسلّم. [رواه الشيخان].

4- وله أن يضع فراشه أو سريره فيها:

لما رواه ابن ماجه عن ابنِ عُمَر رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: ( أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ، طُرِحَ لَهُ فِرَاشٌ، أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرٌ وَرَاءَ اسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ ).

5- ويجوز للمرأة أن تزور زوجَها وهو في معتكفه، وأن يشيّعها إلى باب المسجد:

لما رواه الشّيخان وغيرهما عن صفِيَّةَ رضي الله عنها قالت: كَانَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم مُعْتَكِفاً [ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ]، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً [ وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ، فَرُحْنَ ]، فَحَدَّثْتُهُ [ سَاعَةً ]، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ، [ فَقَالَ:

(( لاَ تَعْجَلِي حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ ))] فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، [ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ ] فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنْ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَسْرَعَا !

فَقاَلَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ )) فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ! قَالَ: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا - أو قال-: شَيْئاً )).

[أخرجه الشيخان وأبو داود والزيادة الأخيرة له].

وأهمّ آداب الاعتكاف:

- أن يُشغِل نفسه بالمقصود منه، وهو: الاجتهاد في طاعة الله بالإكثار من الصّلاة، وتلاوة القرآن، والذّكر، والاستغفار، والدّعاء، والصّلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتفسير القرآن، ودراسة الحديث.

- ويكره له أن يُشغِل نفسه بما لا يفيد من الأقوال والأفعال، أو أن يتّخذ مكان الاعتكَاف للكلام عن الدّنيا، ويجعله مجلبةً للزّائرين، والأخذ بأطراف الحديث، فهذا الاعتكاف في وادٍ، واعتكاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في وادٍ آخر.

والله أعلم، وأعزّ وأكرم، وهو الهادي للّتي هي أقوم.

أخر تعديل في الخميس 23 رمضان 1439 هـ الموافق لـ: 07 جوان 2018 18:28
عبد الحليم توميات

آخر المواضيع:

الذهاب للأعلي