الاثنين 12 ذو القعدة 1432 هـ الموافق لـ: 10 أكتوبر 2011 12:23

- السّيرة النّبويّة (58) الحياة تدبّ في المدينة

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد رأينا في الحلقات السّابقة بناء المجتمع الإسلاميّ: بناء بيت الله الّذي يُؤويهم، والمؤاخاة الّتي تجمع قلوبهم، والدّستور الّذي يضبط أمورهم.

وفي الوقت نفسِه رأينا موقف طائفتين من النّاس، ساءهم ما يرَوْنه من غرس الإسلام، وثمار الإيمان والإحسان.

الطّائفة الأولى: من لا يزال على شركه، وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، الّذي طار عقله وطاش لبّه لذهاب مكانته وزعامته !

الطّائفة الثّانية: يهود المدينة .. الّذين كانوا يعرفون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حقّاً كما يعرفون أبناءهم .. وشاء الله أن يُسلم بعضٌ من علمائهم وشرفائهم: مثلُ عبدِ الله بن سلام، وأسد، وأسيد، وثعلبة بن سعنة.

وبقيت الدّعوة إلى الله تملأ الأجواء كما يملأها الهواء .. ولم يزل المهاجرون يُقبِلون على مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتّى كثُروا.

فقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخطُب على جِذع نخلةٍ ليراه النّاس، لكنْ لكثرة الوفودِ كلَّ يوم، كان لا بدّ من بناء مِنْبَرٍ مرتفعٍ عن الأرض يمكّن الحاضرين من الرّؤية والاستماع.

وكم كانت سعادتهم بهذا الخبر ! إلاّ أنّ هناك من ركِبه الحزن لذلك .. شيءٌ حزِن لذلك حزناً شديدا، وبكى فأبكى أهل المسجد جميعا.

أحد الّذين حضروا تلك الدّموع يقصّ علينا الحدث .. ففي "دلائل النّبوّة" لأبي نعيم (403) عن سهل بن سعد السّاعدي رضي الله عنه قال:

" كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقوم إذا خطب على خشبة كانت في المسجد، فلمّا ذاع النّاس وكثُروا قيل له: يا رسول الله، لو جعلت منبراً تُشرف على النّاس منه ؟ فبعث إلى النجّار فانطلق، فانطلقت معه حتّى أتى الغابة، فقطع منها أَثْلاً[1]، فعمله وهيّأه، ثمّ أتينا نحمله، فكان درجتين، والثّالثة مقعد لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فوالله ما هو إلاّ أن قعَد عليه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وتكلّم، فقدته الخشبة، فخارت كخُوار الثّور لها حنين، حتّى فزِع النّاس، وكثُر البكاء ممّا رأوا بها "!

وفي الصّحيحين عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه قال: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا وُضِعَ لهُ المِنبَرُ سَمِعْنا لِلجِذْعِ مثلَ أَصوَاتِ العِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ.

ثلاثُ درجاتٍ يسيرة لا أكثر .. كان يسمّى منبرَ الأثْل، ولكنّه لم يعُد يُنسَب إلى الأثل، بل لم يعُد ينتسِب إلى الأرض .. بل أصبح منبرا من الجنّة !

فقد روى الإمام أحمد والنّسائي بسند صحيح عن أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ )).

وأمّا ما بين المنبر وبيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فمساحة من الرّبيع الخالد، والنّعيم الغامر، فقد روى البخاري ومسلم عن عبدِ اللهِ بنِ زيْدٍ المَازِنِيِّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ )).

أمّا المسجد فقد اكتمل بناؤه، واكتمل العِقد بجوهرة ثالثة تزيّن هذه الأرض .. محطّة ثالثة لقوافل المؤمنين (( لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ )) [الشّيخان].

ففي تلك الأيّام سعدت المدينة بمسجد بناه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على التّقوى، كما سعدت مكّة من قبل ببناء إبراهيم عليه السّلام لبيت الله..

الحجرات وبناؤه بعائشة ..

وبُنِي له صلّى الله عليه وسلّم بيتٌ ملاصقُ للمسجد، وكان هذا البيت حجراتٍ صغيرةً.

أوّل من نزل الحجرات سودةُ رضي الله عنها، فهي الآن في طريقها من مكّة إلى المدينة. تلكم المرأة الّتي تزوّجها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد خديجة رضي الله عنها، وما سعدت في حياتِها قط سعادتَها بزواجها منه صلّى الله عليه وسلّم.

ولعلّ عائشة رضي الله عنها مع ذلك الرّكب الّذي ينقلها إلى المدينة.

فتراها الآن في هودجِها إلى جانب امرأةٍ تصرخ من الآلام .. كانت هناك امرأةٌ حامل .. امرأةٌ ليست ككثير من النّساء .. إنّها أسماء ذات النّطاقين أخت عائشة بنت أبي بكر زوج الزّبير بن العوّام رضي الله عنهم !

ففي صحيح البخاري ( أَنَّهَا هَاجَرَتْ إِلَى النَبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَهِيَ حُبْلَى).

لم تبالِ بثِقَل حملِها؛ فمدينة الوحيِ تنتظرها ..

أمّا جنينُها فكان على موعدٍ مع الشّرف؛ إذ ضمّه سِجِلُّ الهجرة على أنّه أوّل مولود في الهجرة النبويّة.

روى البخاريّ عن أسماءَ رضي الله عنها أََنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما، قالت:

فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَوَلَدْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ[2]، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ.

قال العلماء: تقصد بذلك أنّه أوّل مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، فأمّا من ولد في الإسلام من المهاجرين بالحبشة فهو عبد الله بن جعفر، وأمّا من الأنصار بالمدينة فكان أوّل مولود ولد لهم بعد الهجرة مسلمة بن مخلد، وقيل: النّعمان بن بشير.

ولد عبد الله بن الزّبير ليجد نفسه ينتمي إلى أساطين الإسلام.. فأمّه أسماء، وأبوه الزُّبير بن العوّام حواريّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وأحد العشرة المبشرين بالجنّة، وجدّه أبو بكر صدّيق هذه الأمّة، وخالته الصدّيقة بنت الصدّيق أمّ المؤمنين فقيهة الإسلام عائشة، وزوج خالته خاتم الأنبياء والمرسلين صلّى الله عليه وسلّم.. وزاده شرفا أن حنّكه وبرّك عليه، وسمّاه عبد الله ..

وجعل الله تعالى هذا المولود شوكة في قلوب اليهود الّذين سحروا المسلمين حتّى لا يولَدَ لهم، ولكن كما قال تبارك وتعالى:{وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طـه: من الآية 69].

تقول أسماء رضي الله عنها - كما في تتمّة الحديث السّابق -:" فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، لِأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلَا يُولَدُ لَكُمْ ".

وفي رواية عند ابن سعد في " الطّبقات " أنّه لمّا قدم المهاجرون المدينة أقاموا لا يولد لهم، فقالوا : سحرتنا يهود ! حتّى كثرت في ذلك القالة، فكان أوّل مولود بعد الهجرة عبد الله بن الزّبير، فكبّر المسلمون تكبيرة واحدة حتّى ارتجّت المدينة تكبيرا ".

أمّا أختها عائشة رضي الله عنها:

فهي تنتظر أسعد أيّام حياتها .. فهي زوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، غير أنّه صلّى الله عليه وسلّم لمّا يدخل بها.

ظلّت في بيت أبيها، حتّى حلّ عليها شهر شوّال من السّنة الأولى .. وقد ترك ذلك بصمةَ حبٍّ دائمٍ لشهر شوّال؛ ففي صحيح مسلم وغيره عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: تزَوَّجنِي رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم في شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي ؟! قال عُرْوَةُ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ.

وهذا الاستحباب لم يكن نتيجة العاطفة فحسب، فقد قال النّووي رحمه الله:

" فيه استحباب التّزويج والتزوّج والدّخول في شوّال، وقد نصّ أصحابنا على استحبابه، واستدلّوا بهذا الحديث، وقصدت عائشة بهذا الكلام ردَّ ما كانت الجاهليّة عليه، وما يتخيّله بعض العوامّ اليوم من كراهة التزوّج والتّزويج والدّخول في شوّال، وهذا باطل لا أصل له، وهو من آثار الجاهليّة، كانوا يتطيّرون بذلك لما في اسم شوّال من الإشالة والرّفع ".

فالمدينة هذه الأيّام كلّها أفراح، ولكن قد تمرّ بها سحابة أحزان وأقراح، وهذا ما سوف نراه إن شاء الله لاحقا.



[1] الأثل هو نوع من الشّجر  كبير الحجم ثمره حبّ أحمر لا يؤكل، ومنه قوله تعالى:{وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سـبأ:16].

[2] ( ثمّ حنّكه ) أي وضع في فمه التّمرة، ودَلَكَ حَنَكَه بها.

أخر تعديل في الاثنين 12 ذو القعدة 1432 هـ الموافق لـ: 10 أكتوبر 2011 12:43
عبد الحليم توميات

آخر المواضيع:

الذهاب للأعلي