السبت 15 رمضان 1438 هـ الموافق لـ: 10 جوان 2017 00:28

- ماذا وجدنا في رمضان ؟ موضوع مميز

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

من خطب رمضان 1430 هـ/ 2009 م

الخطبة الأولى :

معاشر المؤمنين .. فإنّنا كلّنا يعلم جيّدا أنّ ثمرات الصّيام كثيرة كثيرة، ومنافعه ثرّة غزيرة، وبِحَسَبِ المؤمنِ الصّادق الصّائم، المحتسب القائم، أن ينصرف من هذا الشّهر مغفورا له !

ولكنّني بعد ذلك أريد أن أحدّثكم عن شيء ضاع من أيدي كثير من النّاس .. هو أغلى من الذّهب والياقوت باتّفاق جميع الأجناس ..

يبحث عنه كلّ إنسان، وفي كلّ وقت وأوان .. يبحثُون عنه وقد وجدتَه أنتَ أيّها المسلم في هذا الشّهر !

إنّها حلاوة الإيمان .. إنّها الحياة الطيّبة .. إنّها السّعادة معاشر المؤمنين .

فلا يعرف مفقود اتّفق الناس على البحث عن سببه، والإعياء في طلبه، مثل السّعادة والطمأنينة .. ولكنّهم مع ذلك يسيرون في غير مسارها، ويلتمسونها في غير دارها، فللّه ما أقلّ عارفيها ! وما أكثر المتخبّطين فيها !.. 

 

أتدرون أنّ كثيرا من المؤمنين الصّائمين حقّا، والقائمين احتسابا وصدقاً، قد عثرُوا على هذا المفقود، وهذا الهدف المنشود في هذا الشّهر المبارك؟ إي والله .. إنّ السّعادة هي الّتي تقرأ عنها في السنّة باسم " حلاوة الإيمان "..

فما هي السعادة ؟ وأين تكون السّعادة ؟

هل السّعادة مالٌ وفيرٌ، وقناطيرُ مقنطرةٌ من الفضّة والذّهب الكثير ؟ أو خيلٌ مسوّمةٌ وأنعامٌ وحرثٌ غزير ؟

هل السّعادة منصِب يرفعك إلى القِمَم، وأن يُصبِح الخلقُ لك من الْخَوَلِ والْخَدَم ؟

هل السّعادة صحّة بلا مرض ؟ أو شِبَع بلا جوع عرض ؟

هل السّعادة السّلامة من الناس والدّهماء، والنّجاة من الغوائل والدّواهي والبأساء ؟

لقد طلب السّعادة أقوامٌ من طرق منحرفة، فكانت هذه الطّرق سبباً لدمارهم وهلاكهم، وللعنة الله التي وقعت عليهم.

- طلبها فرعون وتلاميذه في الملك:

ولكنّه ملكٌ بلا إيمان، وسلطان بلا طاعة الرّحمن، فتشدّق في الجماهير:{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:من الآية51]. ونسِي أنّ الّذي مَلَّكه هو الله، وأنّ الّذي أعطاه مِصْرَ هو الله، والّذي جمع له النّاس هو الله، والّذي أطعمه وسقاه هو الله.

غفل عن ذلك كلّه، فقال:{ما علمتُ لكم من إله غيري} [القصص:38]. إنّه طلب السّعادة والهناء، فلم يأته إلاّ الهلاك والشقاء،وابتغى الحياة الطّولى {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} لنازعات:25]. {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46].

- طلبها قارون:

فمنحه الله كنوزاً كالتِّلال، وخيراتٍ وأموالا كالجبال، {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة}، ما بذل لها جُهدَه، ولا ذكاءَه وكدَّه، وظنّ أنّه هو السّعيد وحده ! فكان الجزاءُ المرّ العصيب {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ}.

- وطلب السعادة الوليد بن المغيرة:

فآتاه الله الحدائق الغنّاء، وعشرةً من الأبناء، يحضر بهم المحافل: خمسة عن يمينه، وخمسة عن يساره، ونسي أن الله خلفه فرداً بلا ولد:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)} [المدّثر].

فما فعل ؟ أخذَ عطاءَ الله تعالى فجعلهم جنوداً يحاربون ربّ الأرض والسّماء، فقال الله فيه:{سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)} [المدّثر].

- وهذا يلتمس السّعادة في الشّهرة:

فيقضي ساعاتِه في توجيه النّاس إليه، ليصبح معبود الجماهير، وحديث الرّكبان ! فيقتلِعُه ربّك من جذوره، ويمحق سعيه من أصوله:{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد:17].

وهكذا يحجُب اللهُ عزّ وجلّ السّعادةَ عن كلّ من لم يعترف بألوهيّته، ويَدِينُ بربوبيّته، فيقول:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)} [طـه].

إذن .. فأين السّعادة ؟ أين يجدها الباحثون ؟ وأين يلتمسها الطّالبون ؟ من الّذي يغرسها في القلوب ؟.. إنّه وحده علاّم الغيوب ؟

السّعادة: هي الإيمان والعمل الصّالح ..

عباد الله .. أدعُوكُم إلى النّظر في كتاب الله جلّ شأنه، وفي سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لتُدرِكوا جيّدا أنّ السّعادة كلَّ السّعادة إنّما هي في طاعة الله تعالى، واتّباع سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

1) قال الله تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النّحل:97].

فهذا خبر أصدق القائلين، وخبره عين اليقين، بل حقّ اليقين .. إلاّ أنّ قُساةَ القلوب، والمعرضين عن علاّم الغيوب ظنّوا الحياة السّعيدة هي التنعّم بلذائذ المآكل والمشارب، والملابس والمناكح، أو التمتّع بالرئاسة والمال، أو الجاه أو الجمال، فخرجوا من الدّنيا ولم يذوقوا أعظم وأغلى ما فيها !

إنّها حلاوة الإيمان .. إنّها السّعادة بعبادة الرّحيم الرّحمان .. لماذا ضلّوا عنها ؟!.. لماذا حُرِمُوا منها ؟!.. لماذا ضلّوا عن هذه المكارم، وظنّوا السّعادة فيما يشاركهم فيه البهائم ؟! قال تعالى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

أبنـي أبينا نحـن أهـل منـازل *** أبداً غـراب البين فيهـا ينعقُ

نُبقي على الدّنيا، وما من معشـرٍ *** جمعتهم الدّنيـا فلـم يتفرّقـوا

أين الأكاسرة  الجبابـرة الأُلَـى *** كنـزوا الكنوز فلا بَقِينَ ولا بَقُوا

خُرْسٌ إذا نودوا، كأن لم يعلمـوا *** أنّ الكلام لهم حـلالٌ  مطلـقُ

2) وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24].

( دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ).. وهل نحن ميّتون حتّى يدعُوَنا إلى ما يحيينا ؟! إي وربّي، إنّما الحياة بحلاوة الإيمان ..

إذا ضاع الإيمان فلا حياة *** ولا دنيا لمن لم يرض دينا

ومن رضي الحياة بلا إيمان *** فقد جعل الفناء لها قرينا

إنّ الحياة الموعودة في هذه الآية، هي الحياة الطيّبة في الدنيا، والدّائمة في الآخرة .. أمّا في الدّنيا فطمأنينة وهناء، وسكون ورضى بالبلاء: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:122].

فكما أنّ الإنسان لا حياة له حتّى تُنفَخ فيه الرّوح، كذلك القلبُ لا حياةَ له حتّى تُنفخَ فيه روح الوحي {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشّورى:52].

وأمّا في الآخرة، فإنّ الظّالم لنفسه يصرخ قائلا: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } [الفجر: من الآية 24]، ولم يقل ( في حياتي )؛ لأنّه ما كان حيّا.. {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64].

3) وقال الله تعالى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} [الزّمر: من الآية 10].. الحسنة هي: النّعيم في الدّنيا، كما قال تعالى:{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: من الآية 3]..

ففاز المتّقون المحسنون بنعيم الدّنيا والآخرة؛ إذ سلامة القلب، وسعة الصّدر، ولذّة الفؤاد، وانشراحه، ونوره، وعافيته من الشّهوات، لا يعدلها شيء .. لذلك علّمنا ربّنا أن نسأله إيّاها {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) } [البقرة].

4) وقال الله تعالى:{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار:14].. قال ابن القيّم رحمه الله في "الجواب الكافي":

" ولا تظنّ أنّ ذلك مختصّ بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دُورِهم الثّلاثة، وهؤلاء في جحيم في دُورِهم الثلاثة، وأيُّ لذّة ونعيم في الدّنيا أطيبُ من برد القلب، وسلامة الصّدر، ومعرفة الربّ تعالى ومحبّته ؟ وهل العيش في الحقيقة إلاّ العيش السّليم ؟! وقد أثنى الله تعالى على خليله عليه السّلام بسلامة قلبه فقال:{إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات:84] ".

5) وفي الصّحيحين عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه عن النّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )).

6) وروى مسلم عن العبّاسِ بنِ عبدِ المطّلبِ أنّه سمع رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقول: (( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا )). وفي المقابل:

7- روى البخاري عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ! تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ )).

الخطبة الثّانية:

فإنّ فُقدان السّعادة من قلب المرء يعني بداهةً: حُلولَ القلقِ والاضطرابِ، والشّقاء والاكتئاب، فتجتمعُ عليه السّباع الأربعة، الّتي تَهُدّ البدن وتوهِنُه، ألا وهي: الهمّ، والحزن، والأَرَق، والسّهر.

ولا أَشَدَّ من وقوع الهم في حياة العبد ! إذ هو جُنديّ من جنود الله عزّ وجلّ يسلّطه على من كان ضعيفَ الصّلة بالله، خويّ الرّوح، منكبّا على المعاصي والذّنوب {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَـاواتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [الفتح:7].

ولقد سئل عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: من أشدّ جند الله ؟ قال:" الجبال، ولكنّ الجبالَ يقطعها الحديد؛ فالحديدُ أقوى، ولكنّ النّار تذيب الحديد؛ فالنّار أقوى، ولكنّ الماء يُطفِئ النّار؛ فالماء أقوى، ولكنّ السّحاب يحمل الماء؛ فالسّحاب أقوى، ولكنّ الرّيح تعبث بالسّحاب؛ فالرّيح أقوى، ولكنّ الإنسان يتكفّأ الرّيح بيده وثوبه؛ فالإنسان أقوى، ولكنّ النّوم يغلب الإنسان؛ فالنّوم أقوى، ولكنّ الهمّ يغلب النّوم؛ فأقوى جند الله هو الهمّ يسلّطه الله على من يشاء من عباده ".

إذاً - عبادَ الله - فإنّ السّعادة والطمأنينة عطاء من الله ورحمة، كما أنّ الهمّ والقلق والضّيق غضبٌ من الله ونقمة.

- لقد وجد السّعادةَ يونُس بن متى عليه السلام، وهو في ظلمات ثلاث: بطن الحوت، وظلمة اليمّ، وظلمة اللّيل .. حين انقطعت به الحبال إلاّ حبلَ الله، وتمزّقت كلّ الأسباب إلاّ سبب الله، فهتف من بطن الحوت، بلسان ضارع حزين:{لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87].. هناك وجد السعادة.

- ووجدها موسى عليه السلام: وهو بين ركام الأمواج في البحر، وهو يستعذب العذاب في سبيل الواحد الأحد:{كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِيـنِ} [الشعراء:62].

- ووجدها يوسفُ عليه السّلام: وهو في سجنه سبعَ سنين، يجدُ السّعادة في الدّعوة إلى ربّه ومولاه، فيقول:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف:39].

- ووجدها محمّد عليه الصّلاة والسّلام: وهو يطوَّق في الغار بسيوف الكفر، ويرى الموت رأي العين، ثم يلتفت إلى أبي بكر رضي الله عنه ويقول مطمئناً:{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة من:40].

- ووجدها أحمد بن حنبل رحمه الله في زنزانته، وهو يُجلَد جلداً، قال جلاّدُه: لو جُلِدَه الجملُ لمات ! ومع ذلك يُصِرّ على مبدأِ أهل السنّة والجماعة، فيجد السعادة.

أمّا الّذي جلده - وهو المعتصم - فلمّا حضرته سكراتُ الموت، رفع بساطَه، ومرغ وجهه في التراب، وبكى وقال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه ! ثمّ يقول: لو علمت أنّي أموت شاباً، ما فعلت الّذي فعلت من الذّنوب.

- ووجدها ابن تيمية رحمه الله: وهو مكبّل بالحديد، ويُغلِق عليه السجّان بابها، في غرفة ضيّقة مظلمة، فيقرأ ابن تيمية قول ربّ العزّة جلّ جلاله:{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد من:13].

ويلتفت ابن تيمية إلى الّذين هم خارجَ السّجن، فيُرسِل إليهم رسالةً، وينشد لهم نشيداً، وينقل لهم نبأً وخبراً من السّجن فيقول: ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، إن سِرتُ فهي معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة !.

- ووجدها إبراهيم بن أدهم: وهو ينام في أطرافِ سِكَكِ بغداد، لا يجد كسرةَ خبزٍ، ويقول: والّذي لا إله إلا هو، إنّا في عيشٍ لو علم به الملوك لجالدونا عليه بالسيوف !

وتأمّلوا معي أقوالَ الصّالحين، ما كانوا من الملوك ولا السّلاطين، ولا من أرباب الملايين، ولا من الفنّانين المشهورين .. إنّهم كانوا محسنين.

قال الحسن البصري رحمه الله:" تفقّدوا الحلاوة - أي السّعادة - في ثلاث: في الصّلاة، وفي الذّكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتموها، وإلاّ فالباب مغلق ".

وقال مالك بن دينار رحمه الله:" ما تلذّذ المتلذّذون بمثل ذكر الله تعالى ".

وقال بعضهم:" أهلُ القيام في ليلِهم ألذُّ من أهل اللّهو في لهوهم، ولولا اللّيل ما أحببت البقاء في الدّنيا ".

وقال آخر:" ما بقي من لذّات الدّنيا إلاّ ثلاث: قيام اللّيل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة ".

وقال آخر:" عالجت قيام اللّيل سنة، وتمتّعت به عشرين سنة ".

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول:" إنّ في الدّنيا جنّةً من لم يدخلها لم يدخل جنّة الآخرة ".

ويذكر تلميذه ابن القيّم عنه:" والله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط ! مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرّفاهية، وما كان فيه من الحبس والتّهديد والإرهاق، وهو مع ذلك أطيب النّاس عيشا، وأقواهم قلبا، وأسرّهم نفسا، تلوح نضرة النّعيم على وجهه، وكنّا إذا اشتدّ بنا الخوف، وساءت منّا الظّنون، وضاقت علينا الأرض بما رحبت أتيناه، فما هو إلاّ أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كلّه، فسبحان من أشهد عباده جنّته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ".

مساكين أهل الدّنيا ! خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها ! محبّة الله، ومعرفته وذكره.

أيّها الإخوة، إنّ للإيمان طعما يفوق كلّ الطعوم، وله مذاق يعلو على كلّ مذاق، وله نشوة دونَها كلّ نشوة.

فإذا كانت السعادة شجرةً منبتُها النفس البشرية، فإنّ الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، هو ماؤها وغذاؤها وهواؤها وضياؤها:{الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَـئَابٍ} [الرعد:28، 29].

لا أَرَقَ، ولا قلق، ولا ضيق ولا تضييق، بل سعةٌ ورحمة، ورضىً ونعمة:{ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِللَّهِ عَلِيماً}[النساء:70]. {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:12].

في هذه الأيّام أعلم أنّك ذُقتَها، ولا تريد أن تفقدها .. شيءٌ لا يمكن أن تجد له العبارات، فلا تملك إلاّ أن تُنْزِل العَبرَات ..

هذه هي السعادة، وهذه أحوال السعداء، ولا يكون ذلك إلا في الإيمان والعمل الصالح، فمن سكن القصر بلا إيمان، كتب الله عليه:{فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه:124]. ومن جمع المال بلا إيمان، ختم الله على قلبه: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً}ومن جمع الدنيا، وتقلد المنصب بلا إيمان، جعل الله خاتمته: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً}.

فيا طلاّب السّعادة، ويا عشّاق السّعادة، ويا أيّها الباحثون عن الخلود في الآخرة، في جنّات ونهر: إنّه لا يكون ذلك إلا من طريق الإيمان، واتّباع محمّد عليه الصّلاة والسلام.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

أخر تعديل في السبت 15 رمضان 1438 هـ الموافق لـ: 10 جوان 2017 00:37
عبد الحليم توميات

آخر المواضيع:

الذهاب للأعلي