الخميس 16 ذو الحجة 1438 هـ الموافق لـ: 07 سبتمبر 2017 07:23

- ملخّص محاضرة: شخصيّة الطّالب المسلم موضوع مميز

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

محاضرة بقاعة" مسرح الأطفال " ببولوغين، يوم: 16 جمادى الآخرة 1434 هـ الموافق ليوم: 27 أفريل 2013 م.

الحمد لله، الحمد لله الّذي رضي لنا الإسلام دينا، وأنزل علينا القرآن كتابا مبينا، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وكفى بربّك هاديا ومُعينا، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فكان مبلّغا ناصحا وأمينا، اللهمّ صلِّ عليه وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أفضل النّاس إيمانا ويقينا، أمّا بعد:

إذا ضاع الإيمان فلا حياة *** ولا دنيا  لمن لا يرضى دينا

زمن رضي الحياة بلا إيمان *** فقد جعل الفناء لها قريـنا

فحديثنا إليكم - أيّها الأحبّة في الله - عن موضوع من أهمّ الموضوعات، وأمرٍ شائك لا تفي به الدّروس والمحاضرات، وإنّما هي نُبَذٌ يكون من ورائها تصحيح بعض المفاهيم، وتنشر قبسات وسْط ليلٍ بهيم، ألا إنّ حديثنا عن: شخصيّة الطّالب المسلم.

وكلمة ( الشّخصيّة ) مأخوذة من ( شخص ) أي: ظهر فتعيّن وتميّز عن غيره، وعليه فالشّخصيّة هي: صفات تُميّز المرء عن غيره.

ويعرّف العلماء الشّخصيّة السّلمية بأنّها: إقامة البناء السّليم للنّفس، وتحديد خطّ السّير الصّحيح له.

وإنّما خصّصنا الحديث بالطّالب؛ ذلك لأنّ طلبة العلم على اختلاف مستوياتهم، هم أمل الأمّة وعمودُها، ففي صلاحهم صلاحها، وفي فسادهم خرابها وفسادها.

وقد أصيبت الشّخصيّة الإسلاميّة بغزوٍ متوالٍ منذ قرون طويلة، وهجومٍ شرس بكلّ طريق ووسيلة، وكانت في كلّ غزوة تفقِد معقِلاً من معاقلها، وصرحاً من صروحها، حتّى كادت - لولا عهدٌ قطعه الله تعالى - تنطمس معالمها، وتزول أعلامها.

وقد حذّرنا الله تعالى من أن نكون في ذيل القافلة البشرّية، وأن نكون ذنبا لشرّ البريّة، فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100]، وقال:{وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النّساء من: 89].

وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا )) قال ثوبان راوي الحديث: قلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ: (( أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُون غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ )). قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: (( حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )).

- فأوّل خطوات الإصلاح هي الشّعور بوقوع الدّاء، ثمّ تشخيصه، ثمّ مدافعته، وإنّه من الخطر الكبير ألاّ يشعر النّاس بهذا التغيّر السّلبي، بل أخطر منه من يُبرّئ نفسه الحمقاء فينفِي الدّاء وأعراضه أصلا ! 

قال العلاّمة ابن خلدون رحمه الله:" ومن الغلط الخفيّ في التّاريخ الذّهول عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدّل الأعصار ومرور الأيّام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلّا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطّن له إلّا الآحاد من أهل الخليقة وذلك أنّ أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقرّ إنّما هو اختلاف على الأيّام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال ". ["تاريخ ابن خلدون" (1/7)].

وقد نجح الأعداء في الوصول إلى عُقر ديارنا من خلال غزوٍ هو أخطر بكثير من غزو الدبّابات والطّائرات.

" وقد ظهرت أخيرًا وثيقةٌ خطيرةٌ تلقي الضوء على تحوّل الصليبيين من الغزو العسكري إلى الغزو الفكريّ، وهذه الوثيقة تتضمن وصية القديس "لويس" saint Louis ملك فرنسا 1270 م وقائد الحملة الصّليبيّة الثّامنة 1248 م الّتي انتهت بالفشل والهزيمة ووقوع "لويس" في أسر المصريّين في مدينة المنصورة، وقد بذل الملك لويس فدية عظيمة للخلاص من الأسر، وبعد أن عاد إلى فرنسا أيقن أنه لا سبيل إلى النصر والتغلب على المسلمين عن طريق القوة الحربية؛ لأنّ تديّنهم بالإسلام يدفعهم للمقاومة والجهاد ... وأنّه لا بدّ من سبيلٍ آخر، وهو تحويل التفكير الإسلاميّ وترويض المسلمين عن طريق الغزو الفكريّ، بأن يقوم العلماء الأوربيون بدراسة الحضارة الإسلامية.

وهكذا تحولت المعركة من ميدان السلاح إلى معركة في ميدان العقيدة والفكر بهدف تزييف عقيدة المسلمين الراسخة ".

["أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي " لعليّ محمد جريشه ومحمد شريف الزيبق].

لذلك كان لزاما علينا أن نذكّر أنفسنا وإخواننا بشخصيّة المسلم، حتّى يكون في خطّ الدّفاع الأوّل للمحافظة على معالمها.

ومصدر شخصيّة المسلم هو دينُه، ذلك لأنّ الشّريعة الإسلاميّة لها معالم ليست لغيرها:

1- ربّانية المصدر.

2- الشمولية ( زمانا، مكانا، وأحكاما )، وهي بهذا تحقّق الاعتدال والوسطيّة.

3- الواقعية.

4- الجمع بين الجزاء الدّنيويّ والأخرويّ.

5- الجمع بين الثّبات والمرونة.

6- التّمام والكمال.

وغير ذلك. فالمسلم يستغنِي بهذه الشّريعة فيستقِي منها مقوّمات شخصيّته.

- من مقوّمات شخصيّة المسلم:

المعلم الأوّل: تحقيق العبوديّة: فهي أغلى وأشرف وسام يتحلّى به الإنسان.

ومن ثمرات تحقيق هذا المعلم:

أ) أنّ من كان عبداً لله، تخلّص من عبوديّة غيره، ومن كان عبدا لغير الله تعالى وقع في الرقّ والذلّ والعبوديّة لغيره.

قال تعالى:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان:43].

وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ )) [متّفق عليه].

ب) من علم غاية خلقه ( العبوديّة لله ) علم أنّ الدّنيا مزرعة للآخرة، فتراه يعمل للمستقبل الحقيقيّ، وأنّ الدّنيا مهما طالت فهي فانية.

ج) تحقيق الرّقابة الإلهيّة.

المَعْلَم الثّاني: العزّة والاعتزاز بالدّين:

أنا  إن عِشتُ لست أُعدم قوتا *** أنا إن مِتُّ لست أعدم قبرا

همّتي همّـة الملـوك ونفسـي *** نفسُ حرٍّ ترى المذلّة  كفرا

فإنّ شخصية المسلم لا بدّ أن تقوم على أنّ ( الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه ).

قال الله تعالى:{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].

قال القرطبي رحمه الله:" وفي هذه الآية بيان لفضل هذه الأمّة، لأنّه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، لأنّه قال لموسى عليه السلام:{قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [طـه:68]، وقال لهذه الأمّة:{وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ}، وهذه اللّفظة مشتقّة من اسمه الأعلى، فهو سبحانه العليّ ".

وقال عزّ وجلّ:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}.

وتأمّل ما رواه البيهقيّ في "سننه" (6/205) عن عبد الله بن حشرج عن أبيه أنّه جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم حوله أصحابه، فقالوا: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( هَذَا عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو سُفْيَانَ، الإِسْلاَمُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ، الإِسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى ))[1].

المعلم الثّالث: الإتقان والإحسان.

يقول الله تعالى:{وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، فإنّك إذا عملت عملاً وكأنّك ترى الله عزّ وجلّ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، فإنّ ذلك العمل سيأتي على أحسن وجه.

روى البيهقيّ وأبو يعلى بسند حسن عن عائشةَ رضي الله عنها عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ )).

المعلم الرّابع: اليقين في الله والتوكّل عليه.

فإنّ اليقين هو الّذي يورث ما يسمّى اليوم بالثّقة بالنّفس.

المعلم الخامس: المسؤوليّة.

فيُربّى الطّالب على أنّه مسؤول أمام الله تعالى، بذلك يكون خير راعٍ لرعيّته.

المعلم السّادس: التّأثير لا التّأثّر.

فلا بدّ أن يكون الطّالب سائرا على ما رسمه الشّرع له تحت شعار: الثّبات إلى الممات.

فإنّه إن لم يُسارع إلى التّأثير على غيره وإصلاحهم، كان هو المتأثّر بفساهم وطلاحهم.

المعلم السّابع: اللّسان العربيّ.

وإنّه لمّا كان:" اللّسان العربيّ شعار الإسلام وأهله، واللّغات من أعظم شعائر الأمم الّتي بها يتميّزون ... وإنّما الطّريق الحسن اعتيادُ الخطاب بالعربيّة حتّى يتلقّنَها الصّغار في الدّور والمكاتب، فيظهر شعارُ الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهلَ على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنّة، وكلامِ السّلف.

بخلاف من اعتاد لغة ثمّ أراد أن ينتقل إلى أخرى، فإنّه يصعب عليه .." [" اقتضاء الصّراط المستقيم " لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله203)].

" واعلم أنّ اعتياد اللّغة يؤثّر في العقل والخلق والدّين تأثيرا قويّا بيِّناً، ويؤثّر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمّة من الصّحابة والتّابعين، ومشابهتُهم تزيد العقل والدّين والخلق " [" اقتضاء الصّراط المستقيم " (ص 207)].

والله الموفّق لا ربّ سواه.


[1]/ وعبد الله بن حشرج هو وأبوه مجهولان كما في "لسان الميزان" (4/278)، و"نصب الرّاية" (3/213)، قال الألباني رحمه الله في "الإرواء" (5/106-107-108):" ويمكن أن يحسّن لغيره لحديث معاذ ".

وقد رواه الدّارقطني في "سننه" (2/176-177)، والرّوياني في "مسنده" (2/37) من حديث عائذ بن عمرو المزنيّ رضي الله عنه، وحسّنه الخافظ في "فتح الباري" (3/220).

أخر تعديل في الأربعاء 15 ذو الحجة 1438 هـ الموافق لـ: 06 سبتمبر 2017 20:54
عبد الحليم توميات
الذهاب للأعلي