الأحد 16 رجب 1439 هـ الموافق لـ: 01 أفريل 2018 17:54

- هل نزلت سورة الأنعام جملةً واحدةً مشيّعةً ؟ موضوع مميز

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق
قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فلا يكاد يخلو كتابٌ من كتب التّفسير أو علوم القرآن من القول بأنّ سورة الأنعام نزلت مشيّعةً جملة واحدةً، حتّى بات أمرا مسلّما به. حتّى إنّ السّيوطيّ رحمه الله ذكر في "الإتقان" نوعين من أنواع علوم القرآن:

النّوع الثالث عشر: ( ما نزل مفرّقاً وما نزل جمعاً ).

والنّوع الرّابع عشر: ( ما نزل مشيّعاً وما نزل مفرداً ).

وذكر رحمه الله عن بعض العلماء أنّ ممّا نزل مشيّعاً: سورة الأنعام.

وقال رحمه الله:" فلعلّ حكمةَ إنزالها جملةً واحدة قطعُ تعلّل المشركين في قولهم:{ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةًَ وَاحِدَةً } ".

ومستندهم في ذلك أحاديث وآثار، منها:

- الأوّل: 

ما أخرجه أبو عُبيد في "فضائل القرآن" (240) و(366)، والطّبراني (12/215) عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال:" نَزَلَتْ سُورَةُ الأَنْعَامِ بِمَكَّةَ لَيْلاً جُمْلَةً، حَوْلَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ".

وفي السّند علّتان:

الأولى: ضعفُ عليّ بن زيد بن جدعان.

الثّانية: يوسف بن مهران، ليّن الحديث.

- الثّاني: 

ما أخرجه الطّبراني (24/178) عنْ أسماءَ بنتِ يزيدَ رضي الله عنها قالتْ:" نزَلَتِ الأَنْعامُ علَى النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم جُمْلَةً وَاحِدَةً، وأنَا آخِذَةٌ بِزِمَامِ نَاقَةِ النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَنْ كَانَتْ مِنْ ثِقَلِهَا لَتَكْسِرُ عَظْمَ النَّاقَةِ ".

وهذا مسلسل بالعلل:

الأولى: حفصُ بنُ عُمَرَ بنُ الصبّاحِ الرّقِّيُّ، فيه ضعف.

والثّانية: قبيصة بن عقبة تكلّموا في روايته عن سفيان الثّوري، وهذا منها.

والثّالثة: ليث بن أبي سليم، وضعفه مشهور.

والرّابعة: شهرُ بنُ حوشبٍ: مختلف فيه؛ لأوهام وقعت منه.

- الثّالث:

ما رواه الطّبرانيّ في "الصّغير" (1/145) عن ابنِ عمَرَ رضي الله عنهما قال: قالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: (( نَزَلَتْ عَلَيَّ سورَةُ الأنْعَامِ جُمْلَةً واحِدَةً يُشَيِّعُها سبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ".

وفيه يوسُفُ بنُ عطيّة الصفّار، وهو متروك كما قال الحافظ في "التّقريب" (ص 611).

- الرّابع:

ما أخرجه البيهقي في "الشّعب" (4/79) والطبراني عن أنَسٍ رضي الله عنه مرفوعاً: (( نَزَلَتْ سورَةُ الأنعَامِ وَمَعَهَا موْكِبٌ منَ الملاَئِكَةِ يسُدُّ مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ، لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّقْدِيسِ والتَّسْبِيحِ والأَرْضُ تَرْتَجُّ )).

وفي السّند علّتان:

الأولى: أحمد بن محمّد السّالميّ ضعيف.

الثّانية: شيخ الطّبرانيّ: محمد بن عبد الله بن عرس، قال الهيثمي في "مجمع الزّوائد":" لم أعرفه ".

- الخامس:

ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (2/344)، والبيهقيّ في "الشّعب" (4/78) من حديث جابِرٍ رضي الله عنهما قال: لمّا نزلَت سورَةُ الأنعَامِ سبَّحَ رسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ثُمّ قالَ: (( لقَدْ شَيَّعَ هذِهِ السّورَةَ منَ الملائِكَةِ مَا سَدَّ الأُفُقَ )).

وصحّحه الحاكم على شرط مسلم، وتعقّبه الذّهبيّ بأنّ فيه انقطاعا، وقال:" أظنّ هذا موضوعا ".

- السّادس:

ما أخرجه البيهقيّ في "الشّعب" (4/80) عن عليٍّ رضي الله عنه قال:" أُنزِلَ القرآنُ خمساً خمساً، ومن حفظَه هكذا لم ينْسَه، إلاّ سورةَ الأنعامِ؛ فإنّهَا نزلتْ جملَةً في ألفٍ يشيِّعُها من كلّ سماءٍ سبعونَ ملكاً ".

حكم الذّهبيّ بوضعه في "الميزان" (1/308)، ووافقه الحافظ ابن حجر في "اللّسان" (2/13).

* أمّا قول السّيوطي رحمه الله:" فهذه شواهدُ يقوّي بعضها بعضا "، ففيه نظر بيّن من وجهين:

1- أنّ هذه الأحاديث والآثار كلّها ضعيفة، قال ابن الصّلاح رحمه الله في "فتاويه" (249):" لم نَرَ له إسنادا صحيحا ".

ولمّا كان ضعفُها شديدا، فإنّه لا يمكن أن ترتقي إلى الحسن كما هو مقرّر في علم الحديث.

2- أنّ السّنة الماضية في نزول القرآن أن يكون مفرّقا إلاّ لدليل، قال تعالى:{وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)} [الإسراء].

وقال عزّ وجلّ:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)}[الفرقان].

ولنزول القرآن مفرّقا حكم عظيمة، لا يمكن نقضها بمجرّد أحاديث واهية.

نعم، يمكن تصوّر ذلك في نوعين من السّور:

الأوّل: في المفصّل وقصار السّور.

فقد روى الحاكم في "المستدرك" (2/275) عن عبدِ اللهِ بنِ مسعُودٍ رضي الله عنه قال:

" كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم فِي غَارٍ، فَنَزَلَتْ:{وَالمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} فأخذتُهَا من فِيهِ، وإنَّ فاهُ لرَطْبٌ بهَا، فلاَ أدْرِي بأَيِّهَا خَتَمَ:{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} أَوْ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ}".

الثّاني: ما لا يحتمل إلاّ نزولَه جملةً واحدةً ولو كان من الطّوال.

وخير مثال لديّ: سورة يوسف عليه السّلام.

أمّا أن يقال ذلك في سورةٍ من السّبع الطّوال، ودون دليل لا من الأثر ولا من النّظر، فبعيد جدّا.

والله تعالى أعلم.

أخر تعديل في الأحد 16 رجب 1439 هـ الموافق لـ: 01 أفريل 2018 18:02
عبد الحليم توميات
الذهاب للأعلي