أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]
عبد الحليم توميات

عبد الحليم توميات

الاثنين 25 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 21 نوفمبر 2011 06:41

- شرح الأصول الثّلاثة (9) ملّة إبراهيم عليه السّلام (صوتي)

من سلسلة: شرح الأصول الثّلاثة

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

تحميل الدّرس مكتوبا

- شرح الأصول الثّلاثة (09) ملّة إبراهيم عليه السّلام

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقال المؤلّف رحمه الله:

( اعلَمْ - أرشدَكَ اللهُ لطاعتِه - أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ وحدَهُ مخلصًا له الدِّين، وبذلك أَمَرَ اللهُ جميعَ الناس وخلَقهم لها، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56ومعنى {يَعْبُدُونِ}: يوحِّدونِ، وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التّوحيدُ وهو: إفرادُ اللهِ بالعبادة، وأعظمُ ما نهى عنه الشّركُ، وهو دعوةُ غيرهِ معهُ، والدّليل قوله تعالى:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء:36] ).

الشّرح:

هذا شروع في رسالة " الأصول الثّلاثة "، وهي المسائل والقضايا الّتي يُسأل عنها العبد في قبره، فإذا كان من القائمين بها، العاملين بمقتضاها كان من النّاجين المفلحين، وإن كان من المضيّعين النّابذين لها كان من الهالكين الخاسرين.

  • · قوله رحمه الله: ( اعلم - أرشدك الله لطاعته - ): فذكّر بوجوب العلم بما سيذكره حتّى يُقبل القارئ بقلبه وسمعه على قوله.

وأتى بتلطّف ثالث بالمتعلّم وذلك بالدّعاء له بالرّشد.  

- ( أرشدك ): الرّشد والرّشاد هو الصّلاح وإصابة الصّواب، وهو ضدّ الغواية والضّلال، قال تعالى:{قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}، والرّشد أيضاً ضدّ السّفه، ومنه الحجر على السّفيه حتّى يرشُد. 

وإنّما اختار في هذا المقام الدّعاء بالرّشد لأمرين اثنين:

لأنّ أعظم الرّشد هو أن يكون العبدُ موحّدا مسلما لربّه، قال تعالى:{فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} [الجنّ: 14].

ولأنّه يذكّر ويدعو بملّة إبراهيم عليه السّلام، وقد قال تعالى:{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة من: 130].

- ( إلى طاعته ) وطاعة الله هي: موافقة مراد الله امتثالا.

فيدعو المصنّف رحمه الله لقارئ الرّسالة بأن يوفّقه الله ويسدّد خطاه إلى امتثال أمره بأعظم طاعة وهي تجريد التّوحيد الصّحيح لله، واجتناب نهيِه وهو مقارفة الشّرك بالله. 

  • · قوله رحمه الله: ( أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ وحدَهُ مخلصًا له الدِّين ): 

- الحنيفيّة: من الحنف، وهو الاستقامة على القول الصّحيح؛ لأنّه شاع في تفسير كلمة ( الحنيف ) في قوله تعالى:{أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ونحوه، أنّ الحنيف هو المائل عن الشّرك قاصدا التّوحيد، ومنهم من لا يذكر غيره. 

واستدلّوا على ذلك بأنّ ( الحنف ) هو الميل في الرّجل، ومنه قول أمّ الأحنف بن قيس:

واللهِ لولا حنفٌ برجله *** ما كان في فتيانكم من مثله

والحقّ أنّه يمكن أن يكون بمعنى المستقيم على التّوحيد، وذلك يستلزم الميل عن الشّرك، وبمعنى الاستقامة فسّره محمّد بن كعب القرظي وعيسى بن جارية كما في " تفسير ابن كثير ".

ولم يذكر الطّبريّ رحمه الله غيرَه، فقال:" وأمّا الحنيف فإنّه المستقيم من كلّ شيء. وقد قيل: إنّ الرجل الّذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى إنّما قيل له ( أحنف ) نظرا له إلى السلامة، كما قيل للمهلكة من البلاد "المفازة"، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل للديغ:"السليم"، تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك، وما أشبه ذلك ".اهـ

وقال ابن قتيبة رحمه الله:" الحنف: الاستقامة، وسمّي الأحنف على سبيل التفاؤل، كما سمّي اللّديغ سليماً ".

وعلى كلا القولين فإنّ الحنيفيّة هي الاستقامة على التّوحيد. وكان كلّ من استقام من العرب على الحقّ ومال عن عبادة الأصنام يسمّى بالحنيفيّ، كقسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل.

روى البخاري عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنّ زيْدَ بنَ عمْرِو بنِ نُفَيْلٍ خرَجَ إلى الشَّامِ يَسْأَلُ عن الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ، فلَقِيَ عالمًا من اليهودِ، فسأَلهُ عن دِينِهِم، فَقَالَ:

إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فأَخْبِرْنِي. فقال: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ من غضبِ اللهِ ! قال زيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أَبَدًا ! وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ ؟ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ ؟

قالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قال زَيْدٌ: وَمَا الحَنِيفُ ؟ قال: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ.

فَخَرَجَ زَيْدٌ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فقال: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ منْ لَعْنَةِ اللهِ ! قال: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا ! وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ ؟ فهلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ ؟

قال: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قال: وَمَا الْحَنِيفُ ؟ قال: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ.

فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ في إِبْرَاهِيمَ عليه السّلام خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، فقال: اللّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.

ووصف المصنّف الحنيفيّة قائلا:

  • · ( مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ): المِلَّة: الشّريعة والدّين وفي الحديث: (( لاَ يَتوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى )) [رواه أبو داود]، وتُطلق على السنّة والطّريقة.

وجميع الأنبياء على ملّة التّوحيد، والميل عن الشّرك، وإنّما خصّ إبراهيم عليه السّلام بالذّكر لأمور:

أ) أنّ الله تعالى قد خصّ نبيّه إبراهيم عليه السّلام بهذا الوصف في آياتٍ كثيرة.

ب) لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمِر باتّباع ملّة إبراهيم عليه السّلام.

ج)  أنّ ذلك إلزام للمشركين، واليهود والنّصارى؛ إذ جميع الملل والنِّحل كانوا يدّعون الانتساب إلى إبراهيم عليه السّلام، فجاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأقام عليهم الحجّة، وبيّن لهم أنّ ملّة إبراهيم هي تجريد التّوحيد لربّ العبيد.

لذلك قال تعالى:{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]، وقال:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)} [آل عمران].

د) أنّ إبراهيم عليه السّلام أبو الأنبياء، فهو ثاني أولي العزم من الرّسل، وما من نبيّ إلاّ وطعنت فيه بعض الملل والنّحل، إلاّ إبراهيم عليه السّلام، ذكر ابن القيّم رحمه الله في " بدائع الفوائد " عن الإمام أحمد رحمه الله قال في قوله تعالى عن إبراهيم عليه السّلام:{وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت من: 27] قال:" الثّناء، يتولّى إبراهيمَ المللُ كلّها ".

  • · قوله: ( أنْ تعبدَ اللهَ ): وعبادة الله تعالى هي غاية الحبّ والتذلّل له، فمتى خلت العبادة من المحبّة كانت باطلة.

وهذا التّعريف للعبادة لا يخالف ما عرّفه به شيخ الإسلام رحمه الله، فهو حين قال:" اسم جامع لما يحيّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظّاهرة والباطنة "، فهو يشير إلى متعلّقات العبادة ولوازمها.

ومفهوم كلام المؤلّف رحمه الله: أنّ من لم يعبد الله لم يكُن على ملّة إبراهيم عليه السّلام. لكن، قد يعبُد الله ويعبد معه غيره، فقال:

  • · ( وحدَهُ ): أي: منفرِداً لا أحد معه.
  • · ( مخلصًا له الدِّين ): الإخلاصُ في اللّغة هو التَّصفيةُ والتَّنقيةُ من الشَّوائبِ والعيوبِ، قال تعالى:{مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ}.

واصطلاحاً: هو تَجريدُ العبادة والنِّيَّة لله عزّ وجلّ، حيث لا يُلتفتُ إِلَى الخلق، وإنَّما يقصد بِها الربُّ الحقّ سبحانه، وهو نوعان:

أ) فيُطلق الإخلاص فيقابل الشّرك الأكبر: قال تعالى{وَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)} [العنكبوت]، وغير ذلك من الآيات.

وفي قصّة إسلام عكرمة بن أبي جهل في سنن النسائي أنّه:" رَكِبَ البَحْرَ، فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ، فقال أَصْحَابُ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا، فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا ! فقال عكرمةُ: واللهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي مِنْ البَحْرِ إِلَّا الإِخْلاصُ لا يُنَجِّينِي فِي البَرِّ غَيْرُهُ، اللّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أنْ آتِيَ محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ، فَلَأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجَاءَ فَأَسْلَمَ.

ب) ويطلق فيقابل الرّياء والشّرط الأصغر: كقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( ثَلاَثٌ لاَ يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِىءٍ مُؤْمِنٍ: إِخْلاَصُ العَمَلِ للهِ، وَالمُنَاصَحَةُ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دُعَاءَهُمْ يُحِيطُ مَنْ وَرَائهم )).

لذلك كان لزاما على المؤمن أن يتعلّم مظاهر الشّرك اجتنابا للوقوع فيه.

فاشتراط الإخلاص في العبادة هو قطب التّوحيد، ومن عبد الله وعبد معه غيره، فإنّه ليس على ملّة إبراهيم عليه السّلام، فدلّ كلامه رحمه الله على أنّ التّوحيد، والملّة الحنيفيّة هي أن تُصرف جميع أنواع العبادات لله وحده، ولا يُشرك معه غيرُه.

  • · قوله رحمه الله: ( وبذلك ) أي: وبإخلاص العبادة لله، وبتجريد التّوحيد.
  • · ( أَمَرَ اللهُ جميعَ النّاس وخلَقهم لها، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}): قال أهل العلم: ولو قال: جميع الخلق، لكان أولى، ليوافق الدّليل المدلول عليه؛ ففي الآية ذكر الجنّ والإنس.

وفي الآية بيان علّة خلق الله للعباد، وعلّة ما سخّره تعالى لهم ممّا في السّموات والأرض جميعا منه، وعلّة ما يرزقهم به، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة.

وهو ما عجز عن فهمه وإدراكه الفلاسفة، فجعلوا علّة الوجود من أعظم أسرار الكون، فقال قائلهم:

جئتُ لا أعـلم من أين، ولكني أتيتُ *** ولقد أبصرت قُدّامي طريقا فمـشـيـتُ

وسأبقى ماشيا، إن شئت هذا أم أبيتُ *** كيف جئت ؟ كيـف أبصرت طريـقي ؟

لست أدري !

فناسب أن يقال لهم: لا دريتم ولا تلوتم !

  • · قوله: ( ومعنى {يَعْبُدُونِ}: يوحِّدونِ ): هذا التّفسير يُروَى عن ابن عبّاس، وأصحّ منه ما رواه الطّبريّ رحمه الله عنه قال: إلاّ ليُقِرّوا بعبادتي طوعاً أو كرهاً. فالمعنى كما قال ابن كثير رحمه الله: أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم.

قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُم الفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ}، وقال:{إِن تَكفُرُوا أَنتُم وَمَن فِي الأَرضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}.

فيدخل في العبادة: توحيد الله، ومظاهر العبادة القوليّة والفعليّة جميعها. فما خلق الله العباد ولا رزقهم إلاّ للقيام بهذا الواجب العظيم، وانظر إلى قد فرض الصّلاة أوّل ما فرضها خمسين صلاة في اليوم واللّيلة وكأنّ العبد لم يُخلق إلاّ لأَجل العبادة !

وروى الإمام أحمد عن أبي واقِدٍ اللّيْثِيِّ رضي الله عنه قال: كنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثُنَا، فَقَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: (( إِنَّ اللهَ عزّ وجلّ قالَ:{ إِنَّا أَنْزَلْنَا الْمَالَ لِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ ثَانٍ وَلَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ })).

وفي سنن التّرمذي عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ )). والتفرّغ: هو القيام بما خُلِق من أجله من إقامة العبوديّة: إقام الصّلاة، وسدّ حاجة المسكين، وإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والإصلاح بين النّاس، وغير ذلك.

وإنّما فسّر المؤلّف رحمه الله ( يَعْبُدُونِ ) بقوله: ( يوحّدونِ )؛ لأنّ التّوحيد هو أساس العبادة وأصلها، ودونه لا يقبل من العبد صرفٌ ولا عدلٌ.

فالكافر المشرك لم يحقّق الغايةَ الّتي خلق من أجلها.


 

 

  

  

 : 

الأحد 24 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 20 نوفمبر 2011 21:41

- شرح الأصول الثّلاثة (9) ملّة إبراهيم عليه السّلام

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقال المؤلّف رحمه الله:

( اعلَمْ - أرشدَكَ اللهُ لطاعتِه - أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ وحدَهُ مخلصًا له الدِّين، وبذلك أَمَرَ اللهُ جميعَ الناس وخلَقهم لها، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56ومعنى {يَعْبُدُونِ}: يوحِّدونِ، وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التّوحيدُ وهو: إفرادُ اللهِ بالعبادة، وأعظمُ ما نهى عنه الشّركُ، وهو دعوةُ غيرهِ معهُ، والدّليل قوله تعالى:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء:36] ).

الأحد 24 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 20 نوفمبر 2011 13:33

- السّيرة النبويّة (60) موقف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من المخالفين

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد رأينا في الحلقة السّابقة كيف ابتُلي المؤمنون بالحمّى والأسقام، وبالأوجاع والآلام.

وتمرّ الأيّام، ويأتي الفرج بدعاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتضرّعه لربّ الأنام سبحانه وتعالى، ويعود من ابتُلي بها حولَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وبما أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يعيش في برج مشيّد، ولا قصر بعيد .. بما أنّه كان صلّى الله عليه وسلّم منهم وهم منه، يأكل طعامهم، ويصافحهم، ويجلس إليهم .. إذا به يسأل عن غائبهم، خاصّة بعد تلك الحمّى الّتي اجتاحت أكثر المهاجرين.

الأحد 24 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 20 نوفمبر 2011 05:59

178- من هم أهل الكتاب ؟

نصّ السّؤال:

السّلام عليكم ... شيخنا الكريم من هم أهل الكتاب ؟ وهل يشمل هذا اللّفظ غيرَ اليهود والنّصارى ؟

بارك الله فيكم.

السبت 23 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 19 نوفمبر 2011 12:08

الكلمة الطيّبة وأثرها في الدّعوة إلى الله (مرئي)

الجمعة 22 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 18 نوفمبر 2011 20:26

- الكلمة الطيّبة وأثرها في الدّعوة إلى الله (صوتي)

الجمعة 23 ذو الحجّة 1432 هـ/ 18 نوفمبر 2011 م

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

 الكلمة الطيّبة وأثرها في الدّعوة إلى الله


الكلمة الطيّبة النّافعة من قلب المؤمن، من أعظم وسائل الدّعوة إلى الله، يغيّر الله بها أقواما فيسلك بهم جادّة الحقّ والصّواب، ويفتح لهم بها كلّ باب.

الكلمة الطيّبة لا تزال ولن تزال تتردّد في أذن سامعها، فتتلذّذ بها الآذان، وتنشرح لها الصّدور، وتبتهج لها القلوب.

لذلك بقيت كلمات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في آذان أصحابه رضي الله عنهم جعلوها نبراسا لحياتهم، وشعارا لمواقفهم.

الجمعة 22 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 18 نوفمبر 2011 19:51

- الكلمة الطيّبة وأثرها في الدّعوة إلى الله

الجمعة 23 ذو الحجّة 1432 هـ/ 18 نوفمبر 2011 م

الخطبة الأولى [بعد الحمد والثّناء]

فقد تحدّثنا في الخطبة الأخيرة عن حقوق الطّريق وآدابه، وعِشنا مع وصايا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وخطابه، ولكنّ الأمر الّذي استوقفنِي مليّاً، وأردت أن نتذاكره سويّا: أنّه إذا كان للطّريق الّذي يتّخذه النّاس مجلسا وتطرقه الأقدام حقوق وآداب، فكيف بالجلساء من الأحباب والأصحاب ؟! فلا شكّ أنّ حقّ الجليس أولى، ونصيبه من ذلك أعظم وأغلى.

وإنّ الحرص على حقّ الجليس - زيادة على أنّه يدلّ على عقل الرّجل - فهو من أعظم ما يؤلّف بين القلوب، ويطهّر من العيوب؛ لذلك قال تبارك وتعالى:{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً} [الإسراء:53].

فمن مكارم الخلال، ومحاسن الخصال أن يحرص المؤمن على حقّ جليسه، وقد روى ابن عبد البرّ رحمه الله في " أدب المجالسة " عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: أعزّ النّاس عليّ جليسي الّذي يتخطّى النّاس إليّ، أما والله إنّ الذّباب يقع عليه فيشقّ ذلك عليّ.

الخميس 21 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 17 نوفمبر 2011 18:11

177- أفضل الأيّام

نصّ السّؤال:

السّلام عليكم .. أيّهما أفضل: العشرُ الأُول من ذي الحجّة، أو العشر الأواخر من شهر رمضان ؟

وبارك الله فيكم.

الخميس 21 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 17 نوفمبر 2011 07:29

شرح الأصول الثّلاثة (8) مسائل في الولاء والبراء (صوتي)

من سلسلة: شرح الأصول الثّلاثة

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

تحميل الدّرس مكتوبا

- شرح الأصول الثّلاثة (08) مسائل في الولاء والبراء

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

من آثار ترك الولاء والبراء:

الكلمة الجامعة للأثر البالغ الّذي يُحدثه ترك الولاء والبراء قوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73]، قال ابن كثير رحمه الله:" أي: إن لم تُجانبُوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلاّ وقعت الفتنة في النّاس، وهو التباس الأمر، واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين النّاس فسادٌ منتشر طويل عريض ".

فمن ذلك:

- اختلاط الحقّ بالباطل، والتّوحيد بالشّرك، والسنّة بالبدعة، والمعصية بالطّاعة.

- ترك الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله.

- إذا كانت الرّابطة غير رابطة الدّين كان ذلك بابا يدخل منه الكافرون، كرابطة القوميّة والقرابة.

من مظاهر البراء:

- عدم التشبّه بهم فيما هو من خصائصهم.

- عدم الاحتفال بأعيادهم.

- عدم الثّناء عليهم فيما هو من شعائر دينهم، وعاداتهم.

- عدم الاستعانة بهم في الحروب، وإدارة شؤون المسلمين كما في " أحكام أهل الذمّة ".

- عدم الإقامة بينهم.

- السّعي الكامل في إبطال دعوتهم.

- انقطاع التّوارث بينهم.

وليس من الولاء للكفّار ثلاثة أشياء:

فقد أخطأت في الولاء والبراء طائفتان:

الطّائفة الأولى: من أدخلت في الولاء والبراء ما ليس منه، فحصل منهم شدّة، فجعلوا من لازم بغض الكافرين وكرههم إساءة معاملتهم.

الطّائفة الثّانية: وهم من أخرج من الولاء والبراء ما هو منه، فحصل منهم تساهل وتمييع له؛ وهؤلاء تأثروا باللغة الإعلامية وبريقها، وما تنفخه الليبرالية الشهوانية في بوقها، من التهوين بالأصول الإيمانية، والدعوة إلى المساواة المطلقة، وإشاعة الأخوة الإنسانية، والتعايش مع الآخر، والانفتاح، والتسامح، والتعددية، ونبذ الطائفية، والقضاء على البغض والكراهية والتطرف والإرهاب والتزمت.

والصّواب أنّ هناك أمورا لا تُعدّ من الولاء والبراء:

- أوّلا: التقيّة، قال تعالى:{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: من الآية28].

والتقيّة لغة: من التّقوى والاتّقاء، كتخمة وتهمة.

وفي الشّرع هي ما رواه الطّبري عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال:" التكلّم باللّسان وقلبه مطمئن بالإيمان ".

قال الحافظ رحمه الله في " الفتح" (12/314):" هي الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، وتكون في حالة الضّعف وظهور الكفّار على المسلمين، وهي ليست منسوخة بآية السّيف "اهـ.

- ثانيا: المعاملة الحسنة:

لقوله تعالى:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]، وهذا من سماحة الإسلام في الولاء والبراء، ومن مظاهر ذلك:

1) صلة الرّحم: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان: من الآية15]، روى البخاري ومسلم عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قالتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: أَفَأَصِلُ أُمِّي ؟ قال: (( نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ )).

2) ردّ السّلام: روى البخاري ومسلم عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: قال النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ )).

أمّا ابتداؤهم بالسّلام فلا، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ )).

أمّا قول إبراهيم عليه السّلام:{سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم: من الآية47] فالجمهور على أنّ المراد بها المسالمة لا التحيّة، ثمّ هو شرع من قبلنا جاء ما يناقضه في شرعنا.

3) عيادتهم بشرط جلب مصلحة: روى البخاري عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: (( أَسْلِمْ )) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ! فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ يَقُولُ: (( الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ )). 

وفي البخاري في قصّة أبي طالب حين حضرته الوفاة عرض عليه الإسلام.

4) لا يُجبر أحدٌ من الكفار الأصليِّين على الدّخول في الإسلام، قال الله تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة 256].

5) أنّ لأهل الذمّة التنقّل في أي البلاد حيث شاءوا، بلا استثناء، إلاّ الحرم. ولهم سكنى أي بلد شاءوا من بلاد الإسلام أو غيرها، حاشا جزيرة العرب.

وهذا كُلّه محلّ إجماع. [" مراتب الإجماع " لابن حزم (ص 122)، و" أحكام أهل الذمّة " لابن القيم (1/175-191)].

6) حفظ العهد الذي بيننا وبين الكفّار، إذا وَفَّوْا هُمْ بعهدهم وذمّتهم، قال الله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:4].

7) حرمة دماء أهل الذمّة والمعاهدين، إذا وَفَّوْا بذمّتهم وعهدهم.

قال صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ قَتَل مُعاهَدًا لَم يرَحْ رائِحَةَ الجَنَّةَ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً )) [رواه البخاري].

وقال صلّى الله عليه وسلّم: (( أَيُّمَا رَجُلٍ أَمِنَ رَجُلاً عَلَى دَمِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَأَنَا مِنَ القَاتِلِ بَرِيءٌ؛ وإِنْ كَانَ المَقْتُولُ كَافِراً )) [رواه أحمد].

8) الوصيّة بأهل الذمّة، وصيانة أعراضهم وأموالهم، وحفظ كرامتهم.

فقد روى مسلم في " صحيحه " عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صلّى الله عليه وسلّم:

(( إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ))، وفي رواية الطّبراني والحاكم: (( إِذَا فُتِحَتْ مِصْرُ فَاسْتَوْصُوا بِالقِبْطِ خَيْراً، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً )) [وصحّحه الشّيخ الألباني رحمه الله في "صحيح الجامع" (700)].

ومعنى قوله: ( لهم ذمّة ): أي: حرمة، وحقّ، والذِّمام: الاحترام، وليس المقصود أنّهم أهل ذمّة؛ لأنّه لم يكن لأهل مصر من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عهد سابق.

وقد عقد الإمام القرافي رحمه الله فصلاً لبيان الفرق بين الأمر بعدم موالاة الكفّار والأمر ببرّ أهل الذمّة منهم والإحسان إليهم، فقال في "الفروق" (3/15-16):

" وإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة تعيَّن علينا أن نبرَّهم بكلّ أمر لا يكون ظاهرُه يدلّ على مودّات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدّى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبيل ما نُهي نهى في الآية وغيرها "اهـ.

- ثالثا: نكاح الكتابيّة: لأنّ في ذلك مصلحةً لإسلامها.

أنواع الولاء والبراء:

فقد تبيّن لنا أنّ الولاء والبراء من الإيمان الّذي هو عمل القلب، لأنّه قائمٌ على الحبّ في الله، والبغض في الله.

وإذا تحرّك القلب بالحبّ والبغض لزم منه ظهور أثره على الأفعال والأقوال؛ لما بين الظّاهر والباطن من التّلازم، فكان الولاء والبراء شرطا في الإيمان؛ لقوله تعالى:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:81].

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في كتاب " الإيمان ":

" فذكر جملةً شرطيّةً تقتضي مع الشّرط انتفاء المشروط، فقال:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ}، فَدَلَّ على أنّ الإيمان المذكورَ ينفي اتّخاذَهم أولياءَ ويُضادُّه، ولا يجتمع الإيمان واتّخاذُهم أولياءَ في القلب، ودلَّ ذلك أنّ من اتّخذهم أولياء ما فَعل الإيمانَ الواجبَ من الإيمان بالله والنبيِّ وما أُنزل إليه "اهـ.

أمّا مظاهر الولاء للكافرين من غير حبّهم ونصرتهم فهو فسوق، مخلٌّ بكمال الإيمان الواجب؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ أَحَبَّ للهِ، وَأَبْغَضَ للهِ، وَأَعْطَى للهِ، وَمَنَعَ للهِ؛ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ )) [رواه أبوداود وحسّنه الألباني].

فكان من أجل ذلك الولاء والبراء نوعان:

1) ولاء وبراء مطلق كلّي، فالولاء الكلّي واجب لكلّ مؤمن تقيّ، والبراء الكلّي لكلّ كافر غويّ.

2) وهناك ولاء وبراء نسبيّ، وهو خاصّ بالمؤمن العاصي أو المبتدع، فإنّه وإن كان فاسقا بمعصيته أو بدعته إلاّ أنّه ما زال في جانب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - كما في " المجموع " (28/208)-:

" والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإنّ الظّلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9]، فجعلهم إخوةً مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبّر المؤمن الفرق بين هذين النّوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر !

وليعلم أنّ المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإنّ الله سبحانه بعث الرّسل وأنزل الكتب ليكون الدّين كلّه لله، فيكون الحبّ لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثّواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه.

وإذا اجتمع في الرّجل الواحد خير وشرّ، وطاعة ومعصية، وسنّة وبدعة، استحقّ من الموالاة والثّواب بقدرِ ما فيه من الخير، واستحقّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشرّ، فيجتمع فى الشّخص الواحد موجِبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللّص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتّفق عليه أهل السنّة والجماعة "اهـ.

والله الموفّق لا ربّ سواه. 

 

 

  

  

 : 

 

الصفحة 139 من 254

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.