أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]
عبد الحليم توميات

عبد الحليم توميات

الاثنين 03 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 28 نوفمبر 2011 16:14

شرح الأصول الثّلاثة (11) الأصل الأوّل: معرفة الله ( صوتيّ )

من سلسلة: شرح الأصول الثّلاثة

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

تحميل الدّرس مكتوبا

- شرح الأصول الثّلاثة (11) الأصل الأوّل: معرفة الله عزّ وجلّ

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد: 

  • · قال رحمه الله:

( فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثلاثةُ التي يجبُ على الإنسانِ معرفتُها ؟ فقُلْ: معرِفةُ العبدِ رَبَّهُ، ودينَهُ، ونبيَّهُ محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم. 

فإذا قيلَ لكَ: مَنْ رَبُّكَ ؟ فقل: ربيَّ اللهُ الّذي ربّاني ورَبَّى جميعَ العالمينَ بنعمِهِ، وهو معبودي ليس لي معبودٌ سواهُ، والدّليلُ قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَوكلُّ ما سِوَى اللهِ عالََمٌ، وأنا واحدٌ من ذلكَ العالَمِ ).

فبعدما بيّن المؤلّف رحمه الله أنّ أعظم الحسنات على الإطلاق هو التّوحيد، وأنّ أعظم السّيئات على الإطلاق هو الشّرك بربّ العبيد، شرع يبيّن أصولَه وأسُسه.

وشرع في بيان أصول التّوحيد على طريقة السّؤال والجواب المثيرة للانتباه والاهتمام، وفي السنّة أمثلة كثيرة على التّعليم بطريقة السّؤال والجواب، كقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( يا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ ؟)) قال: اللهُ ورسولُهُ أَعْلَمُ، قال: (( أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ ؟)) قال: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: (( أن لا يُعَذِّبَهُمْ ))، وغير ذلك.

  • · قال رحمه الله: ( فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثّلاثةُ ): وتسميتُها بالأصول فيه بيانٌ لأهمّيتها؛ لأنّ الأصل هو ما ينبنِي عليه غيرُه. 

كما أنّ فيه ردّاً على أهل الكلام الّذين جعلوا من قواعدهم الفلسفيّة أصولا.

  • · قوله رحمه الله: ( الّتي يجبُ على الإنسانِ معرفتُها ؟): وهذا الوجوب وجوب الأركان، أي: الّتي لا يصحّ إيمان العبد إلاّ بها، ولا نجاة له إلاّ بتحقيقها. 
  • · قوله رحمه الله: ( فقُلْ ): معتقِدا اعتقادا جازما لا شكّ فيه ولا ارتياب؛ لأنّ العقيدة مأخوذة من العقد، وهو شدّة الرّبط والإحكام. 
  • · قال: ( معرِفةُ العبدِ رَبَّهُ، ودينَهُ، ونبيَّهُ محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم ): وهي أسئلة القبر الثّلاثة، فمن تعلّمها وأقامها فهو من أهل النّجاة والسّعادة الأبديّة، وإلاّ كان من أهل الشّقاء والتّعاسة السّرمديّة. 

وفي سنن التّرمذي عن عثمَانَ رضي الله عنه كان إذَا وَقَفَ علَى قَبْرٍ بَكَى حَتّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ ! فقيلَ لهُ: تُذْكَرُ الجَنَّةُ وَالنّارُ فَلا تَبْكِي، وَتَبْكِي من هذَا ؟! فقالَ: إنَّ رسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِنَّ القَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ )) قال: وقالَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا القَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ )).

ويدلّ على هذه الأسئلة حديثُ البراء بن عازبٍ رضي الله عنه الطّويل، وفيه يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد أن ترفع روح المؤمن إلى السّماء، قال: (( فَيَقُولُ اللهُ جلّ جلاله: اُكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرْضِ فِي جَسَدِهِ.

فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولاَنِ: مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُول: رَبِّيَ اللهُ.

فَيَقُولاَن: مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلاَمُ.

فَيَقُولاَنِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم. فَيَقولاَنِ: مَا يُدْرِيكَ ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ وَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُهُ.

قال في رواية: فذلك قول الله عزّ وجلّ:{يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

ثمّ بعد ذلك يقول: (( فَيُنَادِي منَادٍ مِن السَّمَاءِ: أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الجَنَّةِ. قال: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْتَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ )).

قال صلّى الله عليه وسلّم في رواية التّرمذي عن أبي هريرةَ رضي الله عنه: (( فيقولانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ )).

ثمّ ذكر الكافر - وفي رواية: الفاجر -: (( فذكَرَ مَوْتَهُ، قال: وَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ.

فَيقولان لَهُ: مَنْ رَبُّكَ ؟ فيَقولُ: هَاهْ هَاهْ هَاهْ ! لا أَدْرِي.

فيقولان لَهُ: مَا دِينُكَ ؟ فيَقولُ: هَاهْ هَاهْ ! لا أَدْرِي.

فيقولان: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فيقولُ: هَاهْ هَاهْ ! لا أَدْرِي.

فيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ ! فَأَفْرِشُوهُ مِنْ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلى النَّارِ. قال: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ )).

زاد في حديثِ جريرٍ رضي الله عنه: (( ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا ! فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ )).

وجاء في رواية أنّه يقول: (( رَبِّ، لاَ تُقِمِ السَّاعَةَ ! رَبِّ لاَ تُقِمِ السَّاعَةَ !)).

فأوّل واجب على المكلّف أن يعرف ربّه سبحانه، ونبيّه صلّى الله عليه وسلّم، ودينه الحنيف، وليس له ذلك إلاّ بتدبّر كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم. وكما قال أهل العلم:" قد تجلّى الله لعباده في كتابه بما لا مزيد لمستزيد ".

وتأمّل الحديث السّابق حين يقول الملكان:" مَا يُدْرِيكَ ؟ فيقولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ، وَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُهُ "، ممّا يدلّ على أنّ معرفة الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم لا تحصُل إلاّ من الوحي.

لذلك روى أبو نعيم في " حلية الأولياء " عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَقْرَأْ فِي المُصْحَفِ )) [وهو حسن كما في " السّلسلة الصّحيحة " (2342)].

( ودينَه ): أي: الطّريق الّذي يُعبد الله تعالى به، ولا سبيل إلى معرفة الدّين الصّحيح إلاّ عن طريق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام، كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: (( وإِنَّ بنِي إسرَائِيلَ تفرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً؛ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ، إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً )) قال - أي: عبد الله بن عمرو راوي الحديث -: من هي يا رسول الله ؟ قال: (( مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي )) [رواه الترمذي].

وبعد أن ذكر رحمه الله الأصولَ الثّلاثةَ إجمالا، شرع في تفصيلها وشرحها وبيانها، فقال:

  • · ( فإذا قيلَ لكَ: مَنْ رَبُّكَ ؟): الربّ: كلمة تطلق في اللّغة على معان ثلاثة كلّها ثابتة لله تبارك وتعالى، وقد ذكرها العلماء متفرّقة، وجمعها الإمام الطّبريّ في " تفسيره "، وهي:

1- المالك للشّيء: فربّ الدّار هو مالكها، ومنه حديث اللّقطة: (( اعْرِفْ وِكَاءَهَا - هو الخيط الّذي تربط به - وَعِفَاصَهَا - أي: وعاءها -، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ )).

قال الزّجّاجي رحمه الله في " اشتقاق أسماء الله " (ص 32):" وكلّ من ملك شيئا فهو ربّه، يقال: هذا ربّ الدّار، وربّ الضّيعة، ولا يقال: الربّ معرّفا بالألف واللاّم مطلقا إلاّ لله تعالى؛ لأنّه مالك كلّ شيء " اهـ. فهو لا يستعمل في حقّ غير الله تعالى إلاّ مضافا.

2- السيّد المطاع، ومنه قوله تعالى:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} [يوسف: من الآية 41]، وقوله:{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: من الآية 42]، ومنه: ربَّ فلانٌ القوم أي: سادهم وساسهم، ومنه قول صفوان بن أميّة: لأن يربّني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يرُبَّني رجل من هوازن.

3- المصلح للشّيء؛ لأنّ الربّ كلمة مشتقّة من التّربية، قال الرّاغب الأصفهانيّ في " المفردات " (ص 184):

" الربّ في الأصل التّربية، وهي إنشاء الشّيء حالا فحالا إلى حدّ التّمام ". ومنه اشتُقّ لفظ الرّبيبة، لأنّ من تكون في حجره يصلحها ويدبّر أمرها إلى أن تصل حدّ التّمام. ومنه سمّي العالم الّذي يعلّم النّاس ما يصلحهم في الدّارين شيئا فشيئا ( الربّانيّ )، ذكر البخاري عن ابنِ عبّاسٍ أنّه قال في قوله تعالى:{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ}: حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، قال: وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.

الحاصل: قال الطّبريّ رحمه الله:" فربّنا عزّ وجلّ: السيّد الّذي لا شبه له ولا مثل في سؤددِه، والمصلح في أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الّذي له الخلق والأمر".

والتّربية بمعنى التّنشئة نوعان:

تربية عامّة، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر، والإنسان والحيوان والجماد وغير ذلك. قال تعالى في الحوار الّذي دار بين موسى عليه السّلام وفرعون:{قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)} [طه].

تربية خاصّة، قال السّعدي رحمه الله في " تفسيره ":" ( الربّ ) هو المربّي جميع عباده بالتّدبير وأصناف النّعم، وأخصّ من هذا تربيته لأصفيائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم، ولهذا كثُر دعاؤهم بهذا الاسم الجليل، لأنّهم يطلبون منه هذه التّربية الخاصّة ".

لذلك ذكر المصنّف رحمه الله هذا المعنى، فقال:

  • · ( فقل: ربيَّ اللهُ ): ولفظ الجلالة هو علمٌ على الإلهِ المستحقِّ للعبادة.

وهو مشتقّ من الألوهيّة والإلهيّة، وهي العبوديّة المقترنة بالمحبّة، تقول العرب: أله الشّيءَ أي: عبده وذلّ له وأحبّه.

فأصل لفظ الجلالة ( الله ) - كما قال الكسائي والفرّاء وأبو الهيثم -: أصله الإله، حذفوا الهمزة وأدخلوا الألف واللاّم، ثمّ أدغمت اللاّم في الأخرى.

ونظيره كلمة " الأُناس "، فقد حذفوا الهمزة فقالوا: النّاس.

فالله من إله بمعنى مألوه، ككتاب بمعنى مكتوب، وفراش بمعنى مفروش، وبساط بمعنى مبسوط، وإمام بمعنى مأموم أي: يقصده النّاس.

فالإله معناه الّذي يألهه الخلق ويحبّونه، ويذلّون له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" فإنّ الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبّها، وتخضع له وتذلّ له وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهمّاتها، وتتوكّل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئنّ بذكره وتسكن إلى حبّه، وليس ذلك إلاّ لله وحده؛ ولهذا كانت لا إله إلاّ الله أصدقَ الكلام، وكان أهلُها أهلَ الله وحزبَه، والمنكرون لها أعداءَه وأهلَ غضبه ونقمته، فإذا صحّت صحّ بها كلّ مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصحّحها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله "اهـ.

  • · قوله رحمه الله: ( الّذي ربّاني ): أي: الّذي يرعاني ويكلأني وينْعِم عليّ، فمعنى الربّ هو الخالق الرّازق الّذي يرعَى عباده.
  • · قوله رحمه الله: ( ورَبَّى جميعَ العالمينَ بنعمِهِ ): فتربيته سبحانه وتعالى لخلقه تشمل الخلق جميعهم، كما سبق بيانه في أنواع التّربية.

والعالمون: جمع عالَم - كما سيأتي -.

  • · قوله رحمه الله: ( وهو معبودي ): فيه بيان غاية الرّبوبيّة، وهو إقامة العبوديّة لله؛ لذلك استحسن بعض شرّاح الرّسالة أن يقول: فهو معبودي؛ لأنّ الفاء تدلّ على التّعليل.
  • · قال رحمه الله: ( ليس لي معبودٌ سواهُ ): أتى بنفي غيره، ليشير إلى أنّ المقصود هو إخلاص العبادة له وحده سبحانه. فلم يكتفِ بمجرّد إثبات العبادة لله؛ قال تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106].
  • · قوله: ( والدّليلُ قوله تعالى:{الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ}): والحمد هو وصف الممدوح بالكمال، إمّا لصفاته الذّاتية، أو لإحسان وإنعام، فتقول: حمِدت له شجاعته وكرمه، وحمدته لعطائه، فهو ضدّ الذمّ كما في " لسان العرب".

والألف واللاّم في ( الحمد ) للاستغراق، فالحمد كلّه له سبحانه وتعالى، لذلك كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحمد الله على كلّ حال.

وحمد الله من أوجب الواجبات، وأشرف الطّاعات، فينبغي للعبد أن يشكر نعم الله الّتي يتقلّب فيها ليل نهار، دقيقَها وجليلها، وقد قطع الله الطّريق لإحصائها، فقال:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النّحل: 18].

روى مسلم عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عن العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا )).

وليتذكّر العبد أنّه سوف يُسأل عن النّعم؛ فقد روى مسلم أيضا عن أبي هريرَةَ رضي الله عنه قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هوَ بأَبِي بكْرٍ وعُمَرَ، فقالَ: (( مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ )) قَالَا: الجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ !

قال: (( وَأَنَا - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا )). فَقَامُوا مَعَهُ .. [فذكر أنّهم أتوا رجلا من الأنصار] فجاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فقال: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ المُدْيَةَ ... فَذَبَحَ لَهمْ، فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ العِذْقِ، وَشَرِبُوا، فلمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم لأَبِي بكْرٍ وعُمَرَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ )).

وفي رواية التّرمذي قال: (( ظِلٌّ بَارِدٌ وَتَمْرٌ طَيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ ! هَذَا - وَاللهِ - مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ )).

وفي سنن التّرمذي بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: " أَلَمْ نُصِحَّ جِسْمَكَ، وَنُرْوِيكَ الماَءَ البَارِدَ" ؟ )).

ومن جليل النّعم: نعمة الإسلام، ونعمة الهداية إلى السنّة، ونعمة حسن الفهم، وحسن القصد، وغير ذلك من أصول النّعم، فاللهمّ لك الحمد.

ولمّا كان العباد جميعهم عاجزين عن حمد الله عزّ وجلّ، حمِد نفسه، فقال:{الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ}، لأنّه كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ )).

  • · قوله: ( وكلُّ ما سِوَى اللهِ عالَمٌ ): العالمون جمع عالَم، والتّعريف الصّحيح له أنّه كلّ موجود سوى الله تعالى، فيشمل جميع العالمين، عالم الإنس، وعالم الجنّ، وعالم الملائكة، وعالم البهائم، وعالم الجماد، وعالم النّبات، كلّ ذلك ربّاه الله تعالى.

قال ابن عبّاس رضي الله عنه:" ربّ الجنّ والإنس "، وقال قتادة:" ربّ الخلق كلّهم ". لذلك قال في " اللّسان ": " والعالمون: أصناف الخلق، والعالم الخلق كلّه ".

ويدلّ على ذلك قول الله تعالى:{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)} [الشّعراء].

والعالم مشتقّ من العلامة؛ لأنّه يدلّ على وحدانيّة خالقه ومنشئه ومدبّره، وقد قال أحد الأعراب:" البعرة تدلّ على البعير، والأثر يدلّ على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدلّ على العليم الخبير ؟!".

قال ابن المعتزّ:

فيا عجباً كيف يُعصى  الإله *** أم كيف يجحده الجـاحد

وفي كـلّ شـيء له آيـة *** تدلّ عـلى أنّـه واحـد

قوله: ( وَأنَا واحدٌ من ذلكَ العالَمِ ): أي: قُل ذلك، فالخطاب للسّامع. فكأنّه يقول: إذا كنت واحدا من هذا العالم الّذي خلقه الله، وربّاه ورعاه، فينبغي ألاّ أصرِف العبادة لغيره سبحانه، وإلاّ كان بذلك ظالما لربّه، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

 

 

 

 

  

  

 : 

الاثنين 03 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 28 نوفمبر 2011 05:36

- شرح الأصول الثّلاثة (11) الأصل الأوّل: معرفة الله عزّ وجلّ

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

  • · قال رحمه الله:

( فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثلاثةُ التي يجبُ على الإنسانِ معرفتُها ؟ فقُلْ: معرِفةُ العبدِ رَبَّهُ، ودينَهُ، ونبيَّهُ محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم.

فإذا قيلَ لكَ: مَنْ رَبُّكَ ؟ فقل: ربيَّ اللهُ الّذي ربّاني ورَبَّى جميعَ العالمينَ بنعمِهِ، وهو معبودي ليس لي معبودٌ سواهُ، والدّليلُ قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَوكلُّ ما سِوَى اللهِ عالََمٌ، وأنا واحدٌ من ذلكَ العالَمِ ).

فبعدما بيّن المؤلّف رحمه الله أنّ أعظم الحسنات على الإطلاق هو التّوحيد، وأنّ أعظم السّيئات على الإطلاق هو الشّرك بربّ العبيد، شرع يبيّن أصولَه وأسُسه.

وشرع في بيان أصول التّوحيد على طريقة السّؤال والجواب المثيرة للانتباه والاهتمام، وفي السنّة أمثلة كثيرة على التّعليم بطريقة السّؤال والجواب، كقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( يا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ ؟)) قال: اللهُ ورسولُهُ أَعْلَمُ، قال: (( أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ ؟)) قال: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: (( أن لا يُعَذِّبَهُمْ ))، وغير ذلك.

السبت 01 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 26 نوفمبر 2011 12:12

181- معنى: ( أَفْلَح وَأَبِيهِ إِنْ صَدَق )

نصّ السّؤال:

السلام عليكم و رحمة الله .. فقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ))، ولكنّه جاء في حديثٍ أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال: (( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ )).

فالحديثان ظاهرهما التّعارض، فكيف التّوفيق بينهما ؟ وبارك الله فيكم.

الجمعة 29 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 25 نوفمبر 2011 20:15

مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ ؟ (صوتي)

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

 مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ ؟

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فأدعوكم اليوم - أيّها المسلمون والمسلمات - إلى تأمّلات ووقفات .. وقفات اعتبار وتدبّر، ولحظات تأمّل وتفكّر .. لحظاتٍ مع ضيف عظيم مكرّم، ألا وهو شهر الله المحرّم .. فماذا تعرف عن هذا الشّهر .. وماذا يريد هذا الشّهر ؟

عرفنا ما يدعو إليه شهر رمضان، فقد كان داعيا للصّيام والقيام ..

عرفنا ما يدعو إليه شهر ذي الحجّة، فقد كان داعيا إلى حجّ بيت الله الحرام ..

فما هي الرّسالة الّتي يحملها إلينا هذا الشّهر العظيم ؟ وما الّذي يدعونا إليه هذا الضّيف الكريم ؟



مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ ؟
الاثنين 30 ذو الحجة 1439 هـ الموافق لـ: 10 سبتمبر 2018 10:00

- مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ ؟

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فأدعوكم اليوم - أيّها المسلمون والمسلمات - إلى تأمّلات ووقفات .. وقفات اعتبار وتدبّر، ولحظات تأمّل وتفكّر .. لحظاتٍ مع ضيف عظيم مكرّم، ألا وهو شهر الله المحرّم .. فماذا تعرف عن هذا الشّهر .. وماذا يريد هذا الشّهر ؟

عرفنا ما يدعو إليه شهر رمضان، فقد كان داعيا للصّيام والقيام ..

عرفنا ما يدعو إليه شهر ذي الحجّة، فقد كان داعيا إلى حجّ بيت الله الحرام ..

فما هي الرّسالة الّتي يحملها إلينا هذا الشّهر العظيم ؟ وما الّذي يدعونا إليه هذا الضّيف الكريم ؟

الجمعة 29 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 25 نوفمبر 2011 08:04

180- يخرج منه سائل بعد الغسل

نصّ السّؤال:

أحيانا بعد أن أنتهي من الاغتسال، ينزل منّي سائل، وأغلب الظنّ أنّه مَنِيٌّ، فهل عليّ الغسلُ مرّة أخرى ؟

وما العمل؛ فإنّ ذلك يشقّ عليّ أحيانا ؟ بارك الله فيكم.

الخميس 28 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 24 نوفمبر 2011 06:02

شرح الأصول الثّلاثة (10) لماذا التّذكير بتوحيد الألوهيّة ؟ (صوتي)

من سلسلة: شرح الأصول الثّلاثة

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

تحميل الدّرس مكتوبا

- شرح الأصول الثّلاثة (10) لماذا التّذكير بتوحيد الألوهيّة ؟

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

  • · قوله رحمه الله: ( وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التّوحيدُ ): فبعد أن بيّن رحمه الله أنّ الله تعالى قد أمر الخلق جميعا بتوحيده وإخلاص العبادة له، ذكّر بمنزلة التّوحيد من الدّين؛ وأنّه أوّل الأمر وآخره، وباطن الدّين وظاهره. 

وهذا التّذكير لا بدّ منه لأمور:

 

أوّلها: أنّ هذه هي سنّة المولى تبارك وتعالى، فلا يزال يذكّر الأنبياء والمرسلين بتوحيده، وينهاهم عن الإشراك به، فقال عزّ وجلّ:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزّمر:65]، وقال:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس:106]، وقال:{وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [القصص من: 88]، {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس:105]، وغير ذلك ممّا لا يُحصَى من الآيات. 

بل إنّ الله ذكر مزايا سبعة عشر رسولا، ثمّ بيّن أنّه لو لاقَوْه بشيءٍ من الشّرك لحبط عنهم عملهم، فقال تعالى:{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)} [الأنعام].

ثانيا: أنّ هذه هي سنّة المرسلين.

فإمام الحنفاء إبراهيم عليه السّلام يتعاهد أبناءه - وهم من الأنبياء - بكلمة التّوحيد، وتبعه يعقوب عليه السّلام على ذلك.

ونوح عليه السّلام من قبل يُوصِي ابنه قائلا -كما في " المسند "-: (( إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا عليه السّلام لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ وَأَنْهَاكَ عَنْ اثْنَتَيْنِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ... وَأَنْهَاكَ عَنْ الشِّرْكِ ... )).

مع أنّ ابنه قد عاين الطّوفان الّذي ما جعله الله عذابا إلاّ لأجل الشّرك، ونحن نظنّ أنّه لا يمكن أن يعود أحدٌ إلى الشّرك لو عاين الطّوفان، لكنّ نوحا لا يفكّر كتفكيرنا، إنّه يعلم أنّ الشّيطان لن يقصّر في إيقاع النّاس في أوحال الشّرك.

أمّا نبيّ الله محمّد صلّى الله عليه وسلّم فكان يتعاهد أصحابه رضي اله عنهم - وهم من هم ؟- بالنّهي عن الشّرك بالله تعالى:

فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يأتيه فيقول له: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ ؟ قال: (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ )).

وفي الصّحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ )) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ ؟ قالَ: (( الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ )). وغير ذلك.

حتّى الشّرك الأصغر كان صلّى الله عليه وسلّم لا يترك فرصة إلاّ وذكّرهم بخطره، وقبحه وضرره، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي سعِيدٍ رضي الله عنه قال: خَرَجَ عَلَينَا رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ونحنُ نَتَذَاكَرُ المَسِيحَ الدّجّالَ، فقال: (( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ )) قلْنَا: بلى! فقالَ: (( الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ )).

وكان من دعاء الخليل عليه السّلام قوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}؛ فمن يأمن على نفسه بعد ذلك إلاّ من قال تعالى فيه:{وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} ؟

ثالثا: أنّ الشّرك عاد إلى هذه الأمّة كما أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

فقد روى التّرمذي وغيره عنْ ثوبانَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ )).

فقد دبّ الشّرك من جديد بدءا من صرف كثير من العبادات لغيره تعالى: كالدّعاء، والذّبح، والاستغاثة، والطّواف بغير بيته سبحانه، إلى

انتشار سبّ الله ورسوله ودينه ! إلى انتشار السّحرة والمشعوذين باسم الرّقى الشّرعيّة ! إلى انتشار الكهانة باسم الأبراج على صفحات الجرائد.

رابعا: جهل أكثر النّاس بمعنى لا إله إلاّ الله.

ولمّا كان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أدركوا معنى الشّرك بالله، سمعنا عمرَ بنَ الخطّاب رضي الله عنه يقول لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه: أنشدك الله ! هل سمّاني لك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع من سمّى من المنافقين ؟ فقال حذيفة: لا ، ولا أزكّي أحداً بعدك أبدا، فبكى عمرُ رضي الله عنه.

وقال ابن أبى مليكة - كما في صحيح البخاري -:" أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلّهم يخاف النّفاق على نفسه ! فلا يأمن النّفاق إلاّ منافق، ولا يخاف النّفاق إلاّ مؤمن. 

خامسا: أنّ الله تبارك وتعالى قد يغفر للعبد كلّ شيء، إلاّ الشّرك به.

فالله الّذي وسعت رحمته كلّ شيء، وهو أرحم بعبده من الأمّ الرّءوم بولدها ! الله الّذي يوم خلق السّموات والأرض كتب كتابا فهو عنده تحت العرش: (( إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي )) ! يقول:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} [النساء:48].

لذلك ذكّر المؤلّف بمنزلة التّوحيد من الدّين، وأنّه أعظم الحسنات في دين الله عزّ وجلّ.

والتّوحيد في اللّغة: هو الإفراد وجعل الشّيء واحدا، كما أنّ التّثنية جعل الشّيء اثنين، والتّثليث جعله ثلاثةً.

وفي الشّرع هو ثلاثة أنواع:

أ) توحيد الرّبوبيّة: وهو الاعتقاد الجازم بأنّ الله هو ربّ الكون وحده ومليكه ومدبّره.

ب) توحيد الأسماء والصّفات: وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم من صفات الكمال ونعوت الجلال، من غير تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.

ج) توحيد الألوهيّة: وهو ما ذكره رحمه الله بقوله:

  • · ( وهو: إفرادُ اللهِ بالعبادة ): أي: صرف جميع العبادات الفعليّة والقوليّة والظّاهرة والباطنة لله وحده دون غيره.

ولا بدّ من أن نلحظ أنّ الألف واللاّم في قوله: ( التّوحيد ) للعهد الذّكري، أي: الّذي سبق له ذكر عند الحديث عن ملّة إبراهيم عليه السّلام، وإلاّ فإنّه أنواع ثلاثة كما ذكرنا. 

وإنّما خصّ المؤلّف رحمه الله التّوحيد بتوحيد العبادة؛ لأمور:

أ) أنّه هو التّوحيد الّذي دعا إليه جميع الرّسل.

ب) وأنّه هو التّوحيد الّذي وقعت فيه الخصومة بين المرسلين وأعدائهم.

ج) أنّ المشركين كانوا مقرّين بتوحيد الرّبوبيّة كما سبق بيانه.

د) وأنّ توحيد الألوهيّة متضمّن لتوحيد الرّبوبيّة، ومستلزم للإيمان بالأسماء الحُسنَى والصّفات العُلى، حتّى إنّ أهل العلم فسّروا الشّهادة بأنّ معناها: لا معبود بحقّ إلاّ الله تعالى.

  • · ( وأعظمُ ما نهى عنه الشّركُ ): أي: هو أعظم السّيّئات على الإطلاق، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه السّابق ذكرُه أنّه قال: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ))، قلتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قال: (( أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ ))، قال: ثُمَّ أَيُّ ؟ قال: (( أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ))، وأنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ قوْلِ النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم:{والَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ} الآية. 

وفي الحديث الّذي رواه التّرمذي عن أنسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ: (( قالَ الله تبارك وتعالى: يَا ابنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي .. يَا ابنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي .. يَا ابنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً )). 

وروى الترمذي وابن ماجه وأحمد عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ اللهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يقولُ:

أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ.

فيقولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ.

فيقولُ: بلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليوْمَ ! فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا:" أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ ! فيقولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ ؟ فقالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ.

قال: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ، وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ )).

فهذا الحديث كما أنّه يدلّ على فضل من مات على التّوحيد، فإنّ فيه بيانَ فظاعة الشّرك، حيث إنّ كلمة " لا إله إلاّ الله " على ثقلِها قد نقضها المشرك، فصار الشّرك بالله أثقل منها، فلم تنفع قائلَها !

  • · قال رحمه الله: ( وهو دعوةُ غيرهِ معهُ ): فكما خصّ التّوحيد بتوحيد الألوهيّة، نراه خصّ الشّرك بشرك الألوهيّة. 

ولا بدّ أن نلحظ أنّه كان من المفترض أن يعرّفه بما يقابل التّوحيد، فيقول: وهو عبادة غيره معه. لكنّه ذكر الدّعاء فحسب، وتوجيه ذلك بأحد أمرين: 

أ) أنّه عرّف الشّيء ببعض أجزائه.

ب) أو أراد بالدّعاء هنا هو العبادة، فالعابد سائلٌ بحاله متوسّل بأعماله، لأنّ الحامل على العبادة هو الرّهبة والرّغبة.

وهذا القول أقرب؛ ليقابل تعريف الشّرك تعريفه للتّوحيد.

فكلّ مأمور واجب أو مستحبّ صُرف لله فهو التّوحيد والإيمان والإخلاص.

· قال: (والدّليل قوله تعالى:{وَاعْبُدُوا اللهَ }: وقد سبق بيان معنى العبادة، ولكن لمّا كانت العبادة وحدها لا تُغنِي، عطف الله على الأمر بالعبادة قولَه:{وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}: وكلمة (شيئا) نكرة في سياق النّهي تفيد العموم، وقد سبق تقرير ذلك أيضا.

 

 

 

 

  

  

 : 

الخميس 28 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 24 نوفمبر 2011 04:04

- شرح الأصول الثّلاثة (10) لماذا التّذكير بتوحيد الألوهيّة ؟

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

  • · قوله رحمه الله: ( وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التّوحيدُ ): فبعد أن بيّن رحمه الله أنّ الله تعالى قد أمر الخلق جميعا بتوحيده وإخلاص العبادة له، ذكّر بمنزلة التّوحيد من الدّين؛ وأنّه أوّل الأمر وآخره، وباطن الدّين وظاهره.

وهذا التّذكير لا بدّ منه لأمور:

الصفحة 138 من 254

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.