أخبار الموقع

الجمعة 15 شوال 1431 هـ الموافق لـ: 24 سبتمبر 2010 10:01

- شرح " كِتَـابُ الحَـجِّ " (5) الحجّ يهدم ما قبله

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

تابع الباب الأوّل: ( التّرغيب في الحجّ والعمرة، وما جاء فيمن خرج يقصدهما فمات )

 [شرح الحديث الرّابع برقم (1097)]  قال رحمه الله:

وَعَنْ ابْنِ شُمَاسَةَ قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رضي الله عنه وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلًا، وَقَالَ:

" فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ لِأُبَايِعَكَ. فَبَسَطَ يَدَهُ، فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو ؟!)) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ:

(( تَشْتَرِطُ مَاذَا ؟ )). قَالَ:  أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ:

(( أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمرُو ! أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟! )).

[رواه ابن خزيمة في "صحيحه"هكذا مختصرا. ورواه مسلم وغيره أطول منه].

  • الشّرح:

قوله: ( وَعَنْ ابْنِ شُمَاسَةَ ): هو عبد الرّحمن بن شُماسة - بضمّ الشّين وفتحها - المهريّ المصريّ.

قوله: ( وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ): أي حال حضور الموت، وبعضهم يقول: هو في السَّوق - بفتح السّين -، وكلّ ذلك مأخوذ من قوله تعالى:{ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ }.

-  قوله: ( فَبَكَى طَوِيلاً ): هذه الرّواية مختصرة، وتمامها - كما في صحيح مسلم -:

" وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ ! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا ؟! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا ؟!

قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ ( شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ )، إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ [أي: على مراحل وأحوال ثلاث]:

لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدْ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ .." ثمّ ذكر الحديث.

ولعلّ كثيرا منّا يتشوّق إلى معرفة ما البِشارة الّتي يقصِدها ولده ؟

الجواب تراه في الحديث الّذي رواه الإمام الرّويانيّ في " مسنده " عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله علَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَسْلَمَ النَّاسُ، وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ )). [" الصّحيحة "ج1 رقم 155].

وفي رواية للإمام أحمد: (( اِبْنَا العَاصِ مُؤْمِنَانِ: هِشَامٌ وَعَمْرٌو )).

-   قوله: ( قَالَ: تَشْتَرِطُ مَاذَا ): من المقرّر أنّ أداوت الاستفهام لها الصّدارة، أي: لا يقال: ( فعلت ماذا ؟)، (ولكن يقال: ماذا فعلت ؟). فكيف جاز هنا أن تتأخّر أداة الاستفهام ؟

يمكن أن يُجاب عنه بأحد أجوبة ثلاثة:

الأوّل: أن يقال: إنّ هذا دليل على الجواز وهو قليل.

الثّاني: أو يقال: إنّ الأصل هو الاستفهام بـ( ما )، فإذا اقترنت بها ( ذا ) ضعفت فتأخّرت، وهذا جواب شيخنا عليّ حمد الله أخذته من فيه.

الثّالث: أو يقال: إنّ ثمّة استفهامين منفصلين، فأوّلا قال له متعجّبا: تشترط ؟ ثمّ قال له: ماذا ؟ وهو كثير في كلام العرب.

  قوله: ( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ): لقوله تعالى:{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ }.

-   قوله: ( وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ): والتّعبير بالهدم فيه مبالغة للدّلالة على محو الذّنوب، وما ارتُكِب من معاصٍ في حقّ علاّم الغيوب.

أمّا المرحلة الثّانية من حياته رضي الله عنه الّتي عناها، فهي يوم صار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحبّ خلق الله إليه، قال: (وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ).

والمرحلة الثّالثة من حياته رضي الله عنه، فبعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وصار بعدها واليا على مصر، قال: ( ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا ).

  • فوائد الحديث:

1-  في الحديث بيان لفضل عمرو بن العاص رضي الله عنه، وما كان عليه من الخوف والخشية من الله.

2-  وفيه دلالة على حرص النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تبشِيرِ من رجع إلى الله وتاب إليه، فهو القائل صلّى الله عليه وسلّم: (( بَشِّرُوا ولاَ تُنَفِّرُوا ))، ويكون ذلك ببيان محاسن الإسلام، وسعة رحمة وفضل الله.

ووجه الدّلالة من الحديث، أنّه حين قال عمرو رضي الله عنه: ( أريد أن أشترط )، ما قابله بالتّعنيف، ولا أجابه بالرّفض، وأنّه ليس له أن يشترط شيئا، وأنّ المنّة لله ... إلى غير ذلك ممّا قد يفعله النّاس، ولكنّه استفسر منه برفق: ((تَشْتَرِطُ مَاذَا ؟))

3-   قال النّوويّ رحمه الله: " وفيه استحباب تنبيه المحتضِر على إحسان ظنّه بالله سبحانه وتعالى، وذكر آيات الرّجاء وأحاديث العفو عنده، وتبشيره بما أعدّه الله تعالى للمسلمين وذكر حسن أعماله عنده، ليحسن ظنّه بالله تعالى ويموت عليه. وهذا الأدب مستحبّ بالاتّفاق، وموضع الدّلالة له من هذا الحديث قول ابن عمرو لأبيه: أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم بكذا ؟ "اهـ.

وصدق رحمه الله، فقد روى مسلم عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ يَقُولُ: (( لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ )). ولذلك ينبغي للمسلم أن يُوصِي أهله أنّه إذا حانت ساعة الاحتضار أن يُحضِروا أهل العلم والصّلاح، فهم أفقه النّاس بهذه الأحوال.

4-   إسلام الكافر يهدم ما قبله ولو كان الذّنب متعلّقا بحقوق العباد، وكلّ ما سلبه الكافر من المسلم قبل إسلامه، فإنّه يبقى ذلك له إذا أسلم، وذلك لعموم الحديث، ولعموم قوله تعالى:{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ }، وهو مذهب أكثر العلماء، وذلك تأليفا لقلبه على الإسلام.

ولكن يجب عليه بمجرّد إسلامه أن يتخلّص من العقود الفاسدة كالرّبا، أو الزّواج من وثنيّة، أو الزّواج بأكثر من العدد المباح، وغير ذلك ممّا لا يُقرُّ عليه.

5-   فيه فضل الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، وأنّها تهدم ما تقدّم من الذّنوب.

6-   والشّاهد من الحديث، أنّ الحـجّ يمحو الله به الخطايا والذّنوب، حتّى يكون العبد - كما مرّ معنا في حديث- (( كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )).

وذلك لإخلاصه، وتوبته، وأعماله الصّالحة، وسيأتي من الأحاديث ما يُبيّن أنّ للحاجّ بكلّ خطوة يخطوها أو تخطوها دابّته حسنة وتُمحى بها خطيئة، وأنّ له بكلّ شعرة يحلقها محو خطيئة، وأنّ له بكلّ حصاة يرميها تكفير كبيرة من الكبائر، وأنّ الله يقول لأهل الموقف قائلا: ((( فَإِنِّي أُشْهِدُ نَفْسِي وَخَلْقِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ عَدَدَ أَيَّامِ الدَّهْرِ، وَعَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ ))، ويقول الملك للحاجّ إذا انصرف من حجّه: (( اِعْمَلْ فِيمَا تَسْتَقْبِلْ، فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى )).

فلا جرَم أنّ الحجّ يجبّ ما قبله، نسأل الله التّوفيق والسّداد.

أخر تعديل في الأربعاء 20 شوال 1431 هـ الموافق لـ: 29 سبتمبر 2010 12:00

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.