أخبار الموقع
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: htoumiat@nebrasselhaq.com

الخميس 13 ذو القعدة 1431 هـ الموافق لـ: 21 أكتوبر 2010 20:09

- توجيهات في تربية البنين والبنات (1)

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الخطبة الأولى:

[بعد الحمد والثّناء]، أمّا بعد:

عباد الله، فإنّ من أعظم وأهمّ ما يجب أن نذكّر به أنفسنا وإيّاكم، هو ما أوصانا به مليككم ومولاكم، قائلا في كتابه الكريم المصون:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}، وقال في كتابه المجيد:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}..

وإنّ من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان في هذه الحياة: نعمة الولد .. تلكم المنحة الإلهيّة، والهبة الربّانية.

منحة وهبة، لقول الله عزّ وجلّ:{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)} [الشّورى].

ونجد في القرآن الكريم صورا حيّة مشرقة، لقلوب متلهّفة محترقة، صورا للهفة الأبوّة على البنوّة، تتمسّك بها بكلّ ما أوتيت من قوّة، رغبة في نيلها، وحرصا على خيرها، واهتماما بفوزها وصلاح أمرها.

ولا عجب في ذلك كلّه، إذا استمعت إلى الله وقوله:{المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا} .. فحبّهم فطرة بلا ريب أو مين، جعلهم بردا للكبد وقرّة للعين {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)} [الفرقان].

وقال تعالى عن خليله إبراهيم u:{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100)} [الصّافّات].

وقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} ..

إنّــمـــــا أولادنــــا بــيـــنـــنـــا     أكبـادنا تمـشي علـى الأرض

إن هبّـت الرّيح علـى بعضهم    امتنعــت عينـي عـن الغمـض

ولكن لمّا كانت عادةُ النّاس أنّهم لا يستشعرون النّعم إلاّ عند زوالها، وتقلّب وجوهها وأحوالها، كان لزاما علينا أن نقف اليوم وقفات، تذكّر بهذه النّعمة وحقوقها، وتحذّر من إهمالها وعقوقها ..

فلقد اعتاد النّاس أن يستمعوا إلى حقوق الوالدين على الأولاد، فآن لهم أن ينصتوا إلى حقوق فلذّات الأكباد .. فيكون موضوع خطبنا اليوم إن شاء الله تعالى: حقوق الأبناء على الآباء والأمّهات .. حيث نقف معكم في نقطتين اثنتين:

1- بيان ثقل مهمّة الوالدين أمام ربّ العالمين.

2- أوّل حقّ للولد هو: اختيار الأمّ الصّالحة.

1- بيان ثقل مَهمَّة الوالدين أمام ربّ العالمين:

فاعلم أيّها الأب المسلم ! واعلمي أيّتها الأمّ المسلمة ! أنّ النّصوص من كتاب الله، وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة في بيان عظم ثقل مسؤوليّة الوالدين أمام الله تعالى، وإليكم بعضا من ذلك:

  • أوّلا: الأولاد وصيّة الله:

فإنّ الله عزّ وجلّ يناديكم وهو غنيّ عنكم قائلا:{يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ }.. ويا ويح من أضاع وصيّة العباد، فكيف بوصيّة ربّ العباد ..

  • ثانيا: الأولاد أمانة:

قال تعالى وهو يذكر صفات المؤمنين المفلحين، والّتي إذا عُدمها العبد كان من الخاسرين:{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} ..

والولد أعظم أمانة يوصيك الله برعايتها، فقد روى البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )).

وكلمة " مسؤول " من الكلمات التي ظلمها المسلمون، فصاروا يفهمون منها معنىً ضيّقا قاصرا: وهو أنّه بمثابة السّيد والحاكم فلا دخل لأحد في تصرّفه، وأنّه الذي إليه الأمر من قبل ومن بعد ..{قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ}.. فمعنى هذه الكلمة أخطر وأعظم بكثير ممّا يظنّه هؤلاء.

إنّ معناها أنّ هناك يوما مخصّصا للسّؤال، تساق فيه إلى الكبير المتعال، فلا يترك صغيرة ولا كبيرة، ولا شاردة ولا واردة إلاّ سألك عنها، وعن رعايتها، وما على العبد إلاّ إعداد الجواب، للملك العزيز الوهّاب ..

روى مسلم عن مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ قال:" إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَسْتَرْعِي اللَّهُ عَبْدًا رَعِيَّةً يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ))، وهذا الحديث لم تكن عقولنا القاصرة تدخل فيه إلاّ الولاة على المسلمين، مع أنّ كلّكم راع، وكلّكم مسؤول عن رعيّته..!!

وروى ابن حبّان في " صحيحه " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

(( إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، حَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ ؟ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ )).

  • ثالثا: الأولاد هم الفطرة فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
  • ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاء؟)).

والفطرة هنا الإسلام، بدليل أنّه قال يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، ولم يقل أو يُسلمانه، لأنّه ولد على الإسلام، قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}..

فيا ويح ويا ويل من لطّخ فطرة الله بأوساخ الشّرك والفسوق، وأوحال المعاصي والعقوق، ولا حول لولدك ولا قوّة وهو يراك ولا يعلم أنّك تنقش في قلبه صورا لا قبل له بردّها، وتضع في صدره أثقالا لا قبل له بحملها !

فهم بمثابة الأرض، لا تخرج إلاّ ما أودعته فيها، وعجبا لمن يغرس أشواكا ويرجو من ورائها ملاكا !

  • رابعا: الأولاد فتنة أي امتحان واختبار لكم أيّها الآباء والأمّهات .. قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}..

فإن كنت لهذه النّعمة من الشّاكرين، وجعلت ابنك من البررة الصّالحين، كنت ممّن قال فيهم ربّنا تعالى:  {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}..

روى النّسائي عن أبِي هُرَيْرةَ رضي الله عنه والطّبرانيّ عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

(( مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ لَهُمَا ثَلاَثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إِلاَّ جِيءَ بِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفُوا عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: اُدْخُلُوا الجَنَّةَ ! فَيَقُولُونَ: حَتَّى تَدْخُلَ آبَاؤُنَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: اُدْخُلُوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ )).

وتدخل بإذنه تعالى فيمن قال فيهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) [رواه مسلم].

وروى الإمام أحمد وابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ))..

وروى الإمام مالك رحمه الله أَنَّ سَعِيدَ ابْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَقَالَ بِيَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ فَرَفَعَهُمَا ))..

وإن كنت لهذه النّعمة من الجاحدين، وفي القيام بها من المقصّرين، فاعلم أنّك ستحمل وزرك ووزر ولدك من بعدك كما قال تعالى:{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}..

روى مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ ؟ )) قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: (( لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا )).

أي الذي رُزِق الولد والولدين والثلاثة، ولكن لم ينتفع بأحد منهم من بعد موته، فما أشدّها من حسرة ! وما أعظمها من ندامة !

قال ابن القيّم رحمه الله في " تحفة المودود ":

" وقال بعض أهل العلم: إنّ الله سبحانه يسأل الوالدَ عن ولدِه يوم القيامة قبل أن يسأل الولدَ عن والدِه، فإنّه كما أن للأب على ابنه حقًّا، فللابن على أبيه حقٌّ، فكما قال تعالى:{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْه حُسْناً} [العنكبوت: 8]، قال تعالى:{قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناَراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ} [التحريم: 6] قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: علّموهم وأدّبوهم ".

حتّى قال: " فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنّما جاء فسادُهم من قِبَل الآباء وإهمالِهم لهم وتركِ تعليمِهم فرائضَ الدِّين وسننَه، فأضاعوهم صغارا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبت إنّك عققتني صغيرا فعققتك كبيرا، وأضعتني وليدا فأضعتك شيخا " اهـ.

وخوفا من هذه النّهاية المؤلمة الموجعة، والخاتمة المؤسفة المفجعة، ابتهل المرسلون، والأنبياء والصّالحون، متوسّلين إلى الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يحفظ على ذريّاتهم دينهم الّذي ارتضاه لهم، وأن يعصمهم من كلّ ما منه حذّرهم:

فهذا إبراهيم خليل الله يقول كما أخبرنا ربّنا: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وقال عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}.

وقال مخبرا عن يعقوب u:{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.

وأخبر عن نبيّه زكريّا u أنّه قال: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }..

لذلك علينا معاشر المؤمنين أن نتضرّع إلى الله تعالى أن يلهمنا الثّبات حتّى الممات لتربية أبنائنا على منهج ربّنا، الذي فيه عصمة أمرنا، وفوزنا وفلاحنا، وأن يوفّق كلّ من غفل عن هذا الواجب العظيم إلى أن يتفطّن له، وأن يصلح ما قد فسد، ويرأب ما قد انصدع، وكما قال تعالى:{إِنْ يَعْلَمْ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ}.

الخطبة الثانية.

الحمد لله على إحسانه، وجزيل نعمه وعظيم امتنانه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله تعظيما لشانه، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، وصفيّه وخليله، الدّاعي إلى سبيله ورضوانه، اللهمّ صلّ عليه وسلّم وعلى أصحابه وآله، وعلى كلّ من اتّبع سنّته وسار على منواله، أمّا بعد:

فإنّ كثيرا من النّاس يجهل أو يتجاهل المفهوم الصّحيح للتّربية، فيظنّ أنّ التربية في تحصيل المأكل والمشرب، أو الملبس والمركب، وهذا جهل مركّب ..

إذ هذا جزء من التّربية، يشترك فيه جميع خلق الله تعالى، فحتّى الدوابّ تسعى جاهدة لتحصيل قوت صغارها، وتحرص على حماية أعشاشها وأوكارها ..

إنّ القضيّة أكبر من ذلك بكثير ..

إنّ للطّفل حقوقا لا بدّ إيصالها .. وإنّ الله سائلنا عن حقّ كلّ واحد منّا على الآخر، جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

(( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ )).

وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( أَعْطِ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ )).

  • ثانيا:أوّل حقوق الولد:

وإنّ حقوق الولد تبدأ قبل ولادته .. لا أقول في مرحلة حمل المرأة به، لا ولكنّها تبدأ قبل أن يختار الرّجل أمّ ولده .. وقبل أن تختار المرأة له أباه ..

أوّل حقّ عليك أيّها الرّجل .. هو اختيار الأمّ الصّالحة لأولادك ..

وأوّل حقّ عليك أيّتها المرأة .. هو اختيار الأب الصّالح لبنيك وبناتك ..

وكيف لا والله تعالى يقول:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}، وما عسى أن يكون من وراء ذلك ؟

قال تعالى:{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف:58].

فمن أهمّ صفات الأمّ المربّية والولد المربّي:

- الالتزام بتعاليم ربّ الأنام:

قال تعالى:{فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } [النساء: من الآية34]، الّتي تُسْعِد الزّوج في حياته، وتعينه على العمل لما بعد مماته.

المرأة الّتي مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )).

يُحكى عن بعض السّلف أنّه كان كلّما دخل بيته قال: ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله !.. فقيل له: لم تقول ذلك؟ فقال: ألم يقل الله تعالى:{وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف:39]؟ قالوا: بلى ؟ قال: فإنّ زوجتي قد جعلت بيتي جنّة، فلذلك أقول ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله !!

كذلك المرأة، عليها اختيار الزّوج الصّالح، الذي إن أحبّها خدمها، وإن كرهها لم يظلمها، الذي فقه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم -فيما رواه الترمذي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي )).

- ومن صفات المربّية والمربّي: التفرّغ للتّربية.

فمن أهمّ صفات المرأة الصّالحة التفرّغ، الّتي تتفرّغ لرعاية أولادها وبناتها، ليست بخرّاجة ولاّجة، لا يشغلها عن أولادها شاغل مهما كان، فـ(( المرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيّتها )).

وإنّنا نخشى بسبب الحملة العلمانيّة على هذه البلاد أن يصيب أولادنا ما أصاب أطفال الغرب، واقع فرض على أربعة ملايين طفل أميريكيّ أن يعودوا إلى منازلهم من المدارس آخر النّهار، حاملين مفاتيح بيت خاوٍ من الوالدين، وهذا من أعظم ما يسبّب الإحباط والانحراف في سلوك الأطفال.

كذلك الرّجل ينبغي له أن يخصّص وقتا يوميّا لأولاده، يحادثهم، ويصاحبهم، ويسمع لهم، ويراقبهم، لا أن يكون يركض وراء الدّرهم والدّينار، ويرغب في ملء حسابه بكثرة الأصفار، فإنّ الانشغال عن تربية الأولاد من أكبر الجرائم وأقبح الأعمال يرتكبها الآباء والأمهات تجاه أولادهم:

ليـس اليتيـم مـن انتـهى أبـواه مـن            هـمّ الحيـاة وخـلّفـاه ذليـلاً

إنّ اليـتـيـم هـو الـذي تـلقــــــى لـه            أُمّـاً تخلّـت أو أبـاً مشغـــولا

فهذا أوّل حقوق الطّفل، فما على المرء إلاّ أن يشمّر عن ساعد الجدّ والاجتهاد، وأن يسعى لمرضاة ربّ العباد، فمن كان على الصّراط المستقيم فذلك من فضل الله عليه والله ذو الفضل العظيم.

ومن كان مقصّرا في حقّ ربّه، مفرّطا في جنبه، فقد حان وقت الخروج من الطّائفة الهالكة، والظّلمة الحالكة، وليسارع رضا الرّحيم الرّحمن، فليس في قاموس الشّرع فات الأوان.

قال الله تعالى:{ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)} [المائدة]، وقال:{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)} [الفرقان].

فاللّهمّ هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتّقين إماما، وأصلح ذرّيتنا وشبابنا، وألهمنا رُشدنا وصوابنا، وحقّق لنا مرادنا، إنّك قريب مجيب، وصلّ اللهمّ على محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.

أخر تعديل في السبت 14 ذو الحجة 1431 هـ الموافق لـ: 20 نوفمبر 2010 22:27
المزيد من مواضيع هذا القسم: - توجيهات في تربية البنين والبنات (2) »

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.