- الغارة على الأسرة المسلمة (8) هكذا كوني ... أو لا تكوني
أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: htoumiat@nebrasselhaq.com

السبت 19 جمادى الأولى 1432 هـ الموافق لـ: 23 أفريل 2011 19:48

- الغارة على الأسرة المسلمة (8) هكذا كوني ... أو لا تكوني موضوع مميز

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

خطبة الجمعة ليوم 1 ربيع الثّاني 1425 هـ / 21 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فاليوم نضع رحالنا عند آخر محطّة من هذه السّلسلة المباركة في الحديث عن المرأة المسلمة، بعد أن رأينا أهمّ وسائل ثباتها، وأعظم ما تقاوم به أعداءها.

اليوم نودّعك أيّتها الأخت المسلمة بكلمات نزفّها إليك، تسبغ جلباب العزّة عليك:

إليك حملنا القلب خفّاقا *** وكسونا كلماتنا نورا وإشراقا

نودّعك على أمل أن تكوني مرابطةً على ثغور الإسلام، مصابرة لأعداء الله اللّئام ..

ولنجعل موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله بعنوان:" المرأة الّتي نريد "، وإن شئت فقل:" هكذا كوني .. أو لا تكوني"..

خطاب إلى من وصفها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأعجز كلّ الشّعراء، وأخرس ألسنة كلّ الفصحاء، وأعيى كلّ كاتب وأديب، فقطعت جهيزة لسان كلّ خطيب، بقوله: (( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )) [رواه مسلم].

إلى من سوف تزاحم العُبّاد، وتنافس الزهّاد، وتسابق أصحاب الهمم العالية، حتّى تفتح لها أبواب الجنّة الثّمانية: (( إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ )) [رواه أحمد].

إلى من على الجمر قابضات .. ولرضا الرّحمن طالبات .. وعلى درب خديجة وعائشة سائرات ..

أخبارٌ تزيد المرأة ثباتا على ثبات، شعارها: الاستقامة إلى الممات ..

أخبارٌ تصل حاضرها بماضيها، والقلوب بناصرها وباريها ..

قد سبقك على هذا الدّرب نساءٌ تسمعين أخبارَهم، فاتّبعي واقتفي آثارهم ..

- أمّا في مقام الصّبر على الطّاعة: فهي لا تخشى في الله لومة لائم، قدوتها آسيا بنت مزاحم ..

تلكم المرأة الّتي قال فيها ربّ الأنام:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم:11]. والّتي قال فيها سيّد الأنام عليه الصّلاة والسّلام: (( كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ )).

تلكم المرأة الّتي لم يصدّها طوفان الكفر الّذي تعيش فيه عن دينها، طوفان أمواجه تحمل ضغط الزّوج الكافر، وضغط القصر الباهر.. ضغط المجتمعات الفاسدة، والحاشية الحاقدة .. ضغط المُلك الّذي يسحر الزهّاد، والجاه الّذي يُفسد العبّاد !

ما كان منها إلاّ أن تبرّأت من فرعون وعمله، وقصره وخدمه وحشمه، طالبة بيتا في الجنّة ..

رسالة موجّهة إلى كلّ من تعاني من أتباع فرعون في طغيانه، وظلمه وعصيانه: لا بدّ أن يكون الموت أحبَّ إليك ممّا يدعونك إليه .. وحسبك الله فتوكّلي عليه ..

- أمّا في مقام الصّبر على فقد الأحباب والأولاد، وبهجة القلوب وفلذة الأكباد: فإليك خبرَ تماضر رضي الله عنها، من اعترف الفحول من الشّعراء بمنزلتها، وأقرّ الجميع بمرتبتها، حوّلها الإسلام من البكاء والرّثاء، إلى الفخر والإباء، إنّها الخنساء ..

ملأت البواديَ نياحا على شقيقها، ولم تعد ترى لذّة في طريقها .. فأسلمت وحسن إسلامها، وأراد الله أن يختبر إيمانها، ويمحّص إسلامها وإحسانها، فقدّمت أربعة من الأسود من أولادها، يوم خرجوا إلى القادسيّة، قالت لهم في وصيّة:

( يا بَنِيّ ! إنّكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الّذي لا إله إلاّ هو، إنّكم لبنو رجل واحد كما أنّكم بنو امرأة واحدة، ما هجّنت حسبكم، وما دنّست نسبكم، واعلموا أنّ الدّار الآخرة خير لكم من الدّار الفانية، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلّكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، وجلّلتم نارا على أرواقها، فيمّموا وطيسها، وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغُنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة )..

ثمّ كشّرت الحرب عن نابها، وتدافع الأولاد على بابها، وكانوا عند ظنّ أمّهم بهم حتّى قتلوا واحدا في إثر واحد، ولمّا بلغها خبر وفاتهم لم تزد على أن قالت: الحمد لله الّذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقرّ رحمته[1].

وإن أردتِ مثالا عمّن جمعت بين الصّبر، والفطنة، وإيثار الله والدّار الآخرة على الفانية، فإنّ هناك من سبقك على هذا الدّرب:

- أمّ سليم بنت ملحان رضي الله عنها ..

أنصارية خزرجيّة من بني النجّار، تسمّى "الرّمـيـصـاء" أو "الغُميصاء".. وهي غصن نَضِر من شجرة طيبة المنبت، فــأخـوها: حرام بن ملحان، أحد القرّاء السّبعين الّذين غَدَر بهم المشركون في بئر معونة فقال قولته المؤمـنة:" فزت ورب الكعبة ".

وأختها أمّ حرام شهيدة البحر، وابنها أنس بن مالك خادم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ..

أمّا هـي، فقد بشّرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالجنّة .. روى مسلم عن أنسٍ رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ )).

وقد كانت الرّميصاء رضي الله عنها تمتاز برزانة وذكاء نادرين، وخلق كريم. ومن أجل هذه الصّفات العظيمة سارع أبو طلحة رضي الله عنه رجل الغنى والسّؤدد إلى خطبتها بعد وفاة زوجها مالك بن النّضر "والد أنس".

وعرض عليها من المهر ما لا تحلم به بنات جنسها، إلاّ أنّ المفاجأة أذهلته .. فقد رفضته رضي الله عنها بعزّة المؤمنة وكبريائها، وهي تقول له:" والله ما مثلك يا أبا طلحة يردّ، ولكنّك رجل كافر ! وأنا امرأة مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوّجك، إلاّ أن تسلم، فذاك مهري، ولا أسألك غيره ".

وكان لأمّ سليم ما أرادت، وهدى الله على يديها أبا طلحة وكان صداقها الإسلام رضي الله عنها.

وما الذي سيختاره المتحدّث من مواقفها رضي الله عنها ؟! فحياتها كلّها مواقف متميزة تستحقّ أن تكون نموذجاً طيباً لكلّ امرأة مسلمة .. بل لكلّ رجل مسلم !

ها هو أحد أبنائها الصّغار، مرض، فكان أبوه أبو طلحة إذا عاد من السوق سأل عن صحّته، ولا يطمئنّ حتّى يراه. وخرج أبو طلحة مرّة إلى المسجد، فمات الصّبي .. فهيّأت أمّ سليم أمرَه، وقالت: لا تحدّثوا أبا طلحة بابنه حتّى أكون أنا الّتي أحدّثه.

وجاء أبو طلحة.. فتطيّبت له، وتزيّنت، وتصنّعت، وجاءت بعشاء، فقال: ما فعل الصبيّ ؟ فقالت له: هو أسكن ما يكون.

فتعشّى، وأصاب منها ما يصيب الرّجل من أهله، فلمّا كان آخر اللّيل قالت: يا أبا طلحة ! أرأيت لو أنّ قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، فهل لهم أن يمنعوها عنهم ؟ فقال: لا ! قالت: فما تقول إذا شقّ عليهم أن تطلب هذه العارية بعد أن انتفعوا منها ؟ قال: ما أنصفوا. قالت: فإنّ ابنك كان عارية من الله، فقبضه إليه، فاحتسب ابنك.

فقال أبو طلحة: تركتني حتى إذا تلطّخت أخبرتني بابني ! فما زالت تذكّره حتّى استرجع وحمد الله.

ولمّا غدا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا )).

تأمّلي أختاه - هذه الأمّ التي ليست كسائر الأمّهات ! كيف ترى صغيرها وفلذة كبدها وهو يذبل كالزهرة، ويرتعش ارتعاشته الأخيرة كالعصفور الصّغير بين يديها، وهي تنظر إلى وجهه النّضير، كيف غدا وقد فارقته الحياة ! وتتفجر في قلبها ينابيع الأسى، وتنهمر دموع الشّفقة والعطف والرّحمة من عينها، ولكنّها رضي الله عنها لم تفعل إلا ما يرضي ربّها، متّجهة إليه بالاسترجاع والاستغفار والذّكر، تبغي في ظلالهما الرّاحة والصّبر والسّلوان.

ولم تفعل كما تفعل كلّ امرأة ثكلى من أمّهات الجاهليّة من النّياحة، والعويل، ولطم الخدود، وشقّ الجيوب !

ولم تسارع باستدعاء من يأتي بزوجها من عمله ليشاركها مصيبتها فتضيف إليه هماً جديداً إلى جانب ما يكابده ويعانيه من هموم !

إنّما قامت بما تمليه عليها عقيدتها الراسخة تجاه هذا الحدث الجلل، فقامت إلى صغيرها الغالي فغسّلته، ثمّ كفنته، وسجته وغطّته بعد أن شمّته وطبعت على وجنتيه قبلة أمّ ثكلى أودعتها كلّ ما تملك من حزن وألم ودموع ! ثمّ التفتت إلى أهل البيت قائلة:" لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه ".

- أمّا الصّبر في مقام الدّعوة إلى الله تبارك وتعالى: فإليك الطّريق القويم الّذي سلكته أمّ شريك غزيّة بنت جابر بن حكيم، فقد أسلم بصبرها من عذّبوها !

قال ابن عبّاس رضي الله عنه: وقع في قلب أمّ شريك الإسلام بمكّة، فأسلمت، ثمّ جعلت تدخل على نساء قريش سرّا، فتدعوهنّ وترغّبهنّ في الإسلام، حتّى ظهر أمرها لأهل مكّة.

فأخذوها وقالوا لها:" لولا قومك لفعلنا بك كذا وكذا، ولكنّنا سنردّك إليهم "..

قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء موطأ ولا غيره، ثمّ تركوني ثلاثا، لا يُطعموني ولا يسقوني، فنزلوا منزلا، وكانوا إذا نزلوا وقفوني في الشّمس واستظلّوا ! وحبسوا عنّي الطّعام والشّراب حتّى يرتحلوا !

فبينما أنا كذلك، إذا بأثر شيء بارد وقع عليّ منه، ثمّ عاد فتناولته، فإذا هو دلو ماء ! فشربت منه قليلا، ثمّ نُزِع منّي، ثمّ عاد فتناولته، فشربت منه قليلا، ثمّ رُفع، ثمّ عاد أيضا، فصنع ذلك مرارا حتّى رويت، ثمّ أفضت سائره على جسدي وثيابي.

فلمّا استيقظوا إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا: انحللت فأخذتِ سقاءنا فشربت منه ؟ فقلت:" لاوالله ما فعلت ذلك، كان من الأمر كذا وكذا "، فقالوا: لئن كنت صادقة، فدينك خير من ديننا. فنظروا إلى الأسقية، فوجدوها كما تركوها، فأسلموا لساعتهم" [" الإصابة " 8/248].

أختاه .. قفي قليلا أمام هذه الحادثة ..

1- إنّها بمجرّد إسلامها أيقنت أنّ عليها رسالة يجب تبليغها (( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))، وخاصّة أنّ الدّعاة إلى الله لا يَصِلُون إلى ما تَصِلِين إليه أنت، فبإمكانك الدّخول إلى أخواتك اللّاء لا يزلن أسيرات لإبليس وجنوده، فمن لهؤلاء النّسوة ؟!

2- إذا مرّت بك ساعات من العذاب، ورأيت ألوانا من اللّوم والعتاب، على استقامتك، وصون ديانتك، فتذكّري أنّ هناك من هنّ أفضل منك عانَيْنَ أكثر منك، فأنت على طريقهنّ سائرة:

إذا غامرت في شرف مـروم *** فلا تقنع بما دون النّجـوم

فطعم المـوت في أمر صغـير *** كطعم الموت في أمر عظيم

3- تذكّري جيّدا أنّ من أسماء الله تعالى "المؤمن"، ومن معانيه - زيادة على أنّه يؤَمّن عباده من كرب الدّنيا والآخرة - فإنّه يُصدّق دعوى عباده بالحقّ، فالذي رزق أمّ شريك ذلك الماء العذب البارد، قادر على أن يرزقك العيش العذب البارد، ولن تبلغي كرامته حتّى تبلّغي رسالته.

4-وإذا صدّقك ربّك عزّ وجلّ صدّقك بعدُ عباده، وما أمر الله بتصديق الرّسل حتّى صدّقهم هو {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً}..

الخطبة الثّانية:

الحمد لله على إحسانه، وعلى جزيل عطائه وعظيم امتنانه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله الدّاعي إلى سبيله ورضوانه، اللهمّ صلِّ عليه وسلّم وبارك وزد وعلى أصحابه وآله، وعلى كلّ من اتّبع طريقه، وسار على منواله، أمّا بعد:

فإليك بقيّة هذه الباقة الّتي نضعها بين يديك أيّتها الأخت المسلمة، وما هو إلاّ قطرة من بحر ما جاد به الله على هذه الأمّة:

تشبّهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم *** إنّ التشـبّـه بالكـرام فـلاح

- فانظري في مقام العلم وطلبه:

ترين أمّهات المؤمنين على رأس قائمة العالمات، قال الذّهبي رحمه الله عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها:" لا أعلم في أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، بل ولا في النّساء مطلقا امرأةً أعلم منها " ["سير أعلام النّبلاء" (2/140)].

لقد كانت رضي الله عنها من المجتهدات النّاقدات، من أنفذ النّاس رأيا في أصول الدّين ودقائق الكتاب المبين، وقد كان لها استدراكات وتعقيبات على علماء الصّحابة حتّى إنّ هناك من جمعها في كتاب، كالإمام الزّركشيّ رحمه الله وأسماه:" الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصّحابة ".

روى التّرمذي عن أبي موسى رضي الله عنه قال:" مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا ".

وقال مسروق:" رأينا مشيخة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسألونها عن الفرائض "، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه النّاس.

ويكفي أنّها روت ما يقارب 2210 من الأحاديث.

وما كان علمها قد حوّلها إلى آلة كما حوّل رجال زماننا ونساءه، ولكنّه علم ورّث عملا، قال ابن أخيها القاسم بن محمّد بن أبي بكر رضي الله عنه:" كنت إذا غدوت بدأت ببيت عائشة، فأسلّم عليها، فإذا هي قائمة تصلّي وتقرأ:{فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور:27]، وتدعو وتبكي، وتردّدها، فقمت حتّى مللت القيام، فذهبت إلى السّوق لحاجتي، ثمّ رجعت فإذا هي قائمة كما هي تصلّي وتبكي "!.

وكانت تتصدّق بمالها كلّه، ثمّ تقول لها جاريتها: لم تتركي لنا شيئا نأكله، فتقول: لو ذكّرتني لفعلت ؟!

- وورث علمها حفصة بنت سيرين، الّتي قال عنها إياس بن معاوية:" لقد قرأت القرآن وهي ابنة اثنتي عشرة سنة "، فذكروا له الحسن البصريّ وأباها محمّدا بن سيرين فقال:" أمّا أنا فلا أفضّل عليها أحدا ".

وكان هشام بن حسّان إذا أشكل عليه شيء من القرآن قال: اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ ؟

أمّا عن عبادتها فلا تسل عن حسنها وتمامها، ويكفينا وصف تلكم الجارية السّندية الّتي اشترتها، فقيل لها: كيف رأيت مولاتك ؟ فذكرت كلاما بالفارسيّة معناه: أنّها امرأة صالحة، إلاّ أنّها أذنبت ذنبا. فسئلت: ما هو ؟ قالت: لا أدري، ولكنّني أراها وأسمعها تبكي اللّيل كلّه !.

- أمّا إن سألت عن تذلّل المرأة لزوجها كي تتربّع على عرش مملكتها: فإليك ما ذكره الإمام الذّهبي رحمه الله عن الشّعبي قال:

" لمّا مرضت فاطمة رضي الله عنها، أتى أبو بكر فاستأذن، فقال عليّ: يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت:" أتحبّ أن آذن له ؟ " فقال:"نعم".

قال الإمام الذّهبي رحمه الله: قلت: علمت السنّة رضي الله عنها فلم تأذن في بيت زوجها إلاّ بأمره[2].

- وذكر ابن الجوزي في " أحكام النّساء "[3] أنّ شريحا القاضي قابل الشّعبي يوما، فسأله الشّعبي عن حاله في بيته ؟ فقال له:

من عشرين عاما لم أرَ ما يُغضبني من أهلي. قال له: وكيف ذلك ؟ قال شريح:

من أوّل ليلة دخلت عليّ امرأتي، رأيت فيها حسنا فاتنا، وجمالا نادرا، فقلت في نفسي: فلأطّهر وأصلّي ركعتين لله شكرا، فلمّا سلّمت وجدتها تصلّي بصلاتي، وتسلّم بسلامي، فلمّا خلا البيت من الأصحاب، قمت إليها، فمددت يدي نحوها، فقالت:

على رِسلك يا أبا أميّة كما أنت ! الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلّي على محمّد وآله، إنّي امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبيّن لي ما تحبّ فآتيه، وما تكرهه فأتركه، إنّه كان في قومك من تتزّوجها من نسائكم، وفي قومي من الرّجال من هو كفء لي، ولكن إذا قضى الله أمرا كان مفعولا، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك ".

قال شريح: فأحوجتني - والله يا شعبي - إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت:

الحمد لله، أحمد وأستعينه، وأصلّي على محمّد وآله وأسلّم، وبعد: فإنّكِ قلتِ كلاما إن ثبتِّ عليه يكن ذلك حظّك، وإن تدعيه يكن حجّة عليك، أحبّ كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، فما رأيِ من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيّئة فاستريها ! ".

فقالت: كيف محبّتك لزيارة أهلي ؟ قلت: ما أحبّ أن يملّني أصهاري، فقالت: فمن تحبّ من جيرانك أن يدخل دارك فآذن له ومن تكره فأكره ؟ قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء..

فعاشا على خير وسلام..

هذا، والنّماذج كثيرة، وكثيرة، فما على أهل زماننا إلاّ أن يسدّدوا ويقاربوا، فإن بلّغنا الله منازلهم فله الحمد والمنّة، وكما قيل:

أَسِيرُ خَلَفَ رَكْبِ الْقَوْمِ ذَا عَـرَجٍ *** مُؤَمَّلَاً جَبْـرَ مَـا لَاقَيْتُ مِنْ عِـوَجِ

فَإِنْ لَحِقْتُ بِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا سَبَقُـوا *** فَكَمْ لِرَبِّ الْوَرَى فِي النَّاسِ مِنْ فَرَجِ

وَإِنْ ضَلَلَّتُ بِقَفْرِ الْأَرْضِ مُنْقَطِـعَاً *** فَمَا عَلَى أَعْـرَجٍ فِي ذَاكَ مِنْ حَـرَجِ

فنسأل الله الواحد الأحد الفرد الصّمد، الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، نسأله بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى، أن يبارك لنا في نسائنا، وأمّهاتنا، وبناتنا وأخواتنا، اللهمّ هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة أعين، وأجعلنا للمتّقين إماما، اللهمّ من أراد بنسائنا خيرا فوفّقه لكلّ خير، ومن أراد بهنّ سوءً فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وخذه إليك أخذ عزيز مقتدر، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرّحيم.



[1] "الاستيعاب" (4/297)، و"الإصابة" (7/615-616)، وقد صحّحها جمع من أهل العلم.

[2] ["السّير" (2/121)] و" طبقات ابن سعد " (8/27)ن وقال الحافظ في "الإصابة"(6/139):" وهو - وإن كان مرسلا - فإسناده إلى الشّعبي صحيح ". اهـ.

[3] (134-135)، وذكرها أيضا ابن العربي في " أحكام القرآن " (1/417).

أخر تعديل في السبت 19 جمادى الأولى 1432 هـ الموافق لـ: 23 أفريل 2011 19:50

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.