أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]

مختارات

- معركة العربيّة.

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فـ" ما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلاّ ذَلَّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمرُه في ذَهابٍ وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمِر لغته فرضًا على الأمة المستعمَرة ... فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحد:

أمّا الأوّل: فحبسُ لغتِهم في لغته سجنًا مؤبّدًا.

وأمّا الثّاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا.

وأمّا الثّالث: فتقييدُ مستقبلِهم في الأغلال الّتي يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تَبَع ".

[" من وحي القلم " (2/23) للرّافعي رحمه الله].

ومن مظاهر إذلال اللّغة العربيّة هجرُها، واتّخاذ العامّية خدناً بدلها.

- التّقويم الميلاديّ، وزمن مولد المسيح عليه السّلام.

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته.

فقد أجمع أهل العلم على أنّ الأولى هو استخدامُ التّأريخ والتّقويم الهجريّ، وإنّما اختلفوا في وجوبه، وفي حكم من قوّم وعدّ الأيّام، والشّهور والأعوام بغيره.

وأوسط الأقوال وأعدلها إن شاء الله، هو: المنع من إفراد التّاريخ الميلادي بالذّكر، بل يجب أن يذكر قبله التّاريخ الهجريّ، ثمّ يُذكر التّاريخ الميلادي بعده بحسب الحاجة والاضطرار إليه، كما هو حال كثير من بلاد الإسلام ردّها الله إلى دينه ردّا جميلا -.

ووجوه المنع من الاقتصار على التّأريخ الميلادي ما يلي:

- التّرهيب من الاِحتفَال بِأعْيادِ أهْلِ الصّلِيب.

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه نصيحةٌ ونداءٌ، إلى المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الّذين نأمل أن يكونوا كما وصفهم ربّ الأرض والسّماوات:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} [الأحزاب:36]..

والّذين نرجو أن يكون شعارهم ودثارهم:{وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: من الآية285].

- شهر رجب في سطور ...

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد وعلى آله أجمعين، أمّا بعد:

فقد قال أهل العلم:" إنّ لله تبارك وتعالى خواصّ، في الأزمنة والأمكنة والأشخاص "؛ وإنّ من الأزمنة الّتي خُصّت بالفضيلة: شهر رجب، ولا أدلّ على تعظيمه من تسميته بذلك، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

ولكن كشأن كلّ فضيل، فقد نُسجت حوله الأقاويل والأباطيل، وعلقت بأذهان كثير من المسلمين اعتقادات في شهر رجب ما عليها من دليل، فرغبت في بيان أهمّها في شكل سؤال وجواب، سائلا المولى تعالى التّوفيق إلى الصّواب.

- لماذا يحتفل المسلمون بأعياد الكفّار والمشركين ؟

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى كلّ من اتبع سبيله واستنّ بسنّته واهتدى بهداه، أمّا بعد:

فلك أن تتساءل - أخي الكريم - عن أسباب انتشار هذه المظاهر في بلادنا ؟ .. وما سبب ضياع شخصيّتنا ؟ وما سبب ذهاب نور معالمنا ومبادئنا ومناهجنا ؟ ..

فاعلم أنّ هناك أسبابا كثيرة، وإنّنا نذكر منها ثمانية:

- Mise en garde contre la célébration des fêtes des impies

Louange à Allah le Seigneur de tous, et que le salut et la bénédiction soient sur son prophète Mohammed صلى الله عليه وسلّم, et sur ses proches et ses compagnons.

Ceci est un appel à tous les musulmans, hommes et femmes, aux croyants et aux croyantes en cette foi qui est l'Islam.

Ceci est un conseil à ceux et à celles qu'Allah a adressé la parole dans Son saint Coran en disant :

- تذكير أهل الإيمان بتعظيم لغة القرآن

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:

فهذه نصيحة إلى إخواننا وأخواتنا الّذين رضُوا بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا ورسولا، ثمّ بالعربيّة لغةً ولسانا.

لغة نزل بها القرآن العظيم، ونطق بها النبيّ المصطفى الأمين صلّى الله عليه وسلّم ..

نصيحة إليهم كي يجتنبوا التّحدّث بغير اللّغة العربيّة فصيحها أو عامّيتها قدر الإمكان، فيكفي أنّ الحاجة والضّرورة تقودنا إلى التحدّث بغيرها في كلّ مكان.

- الغارة على الأسرة المسلمة (1) المرأة بين الكرامة والمهانة

خطبة الجمعة ليوم 13 محرّم 1425 هـ الموافق ليوم 5 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] أمّا بعد:

فقد روى البخاري عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قالت النّساءُ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فوعدهنَّ يوماً لَقِيَهُنَّ فيه، فوعظهنّ، وأمرهنّ.

ومثله ما رواه البخاري ومسلم - واللّفظ له - عن جابرِ بنِ عبد اللهِ رضي الله عنهما قال: شهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الصّلاةَ يومَ العيدِ، فأمرَ بتقوَى اللهِ، وحثَّ على طاعتِهِ، ووعظَ النّاس وذكّرَهم، ثمّ مضى حتّى أتى النّساءَ، فوعظهنَّ، وذكّرهنَّ، فقال: (( تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ )) ... الحديث.

Previous
التالي
عبد الحليم توميات

عبد الحليم توميات

الاثنين 17 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 12 ديسمبر 2011 06:38

شرح الأصول الثّلاثة (15) الدّعاء هو العبادة (صوتي)

من سلسلة: شرح الأصول الثّلاثة

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

تحميل الدّرس مكتوبا

- شرح الأصول الثّلاثة (15) الدّعاء هو العبادة

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فكان آخر ما رأيناه هو أنواع العبادة، ووجوب الإخلاص فيها لله تبارك وتعالى، وأنّ من صرف شيئا منها لغيره سبحانه، فإنّه كافر مشرك.

وذكرنا الفرق بين التّكفير بالنّوع والتّكفير بالعين، وأنّه إذا تعلّق الأمر بالأعيان والأشخاص فإنّه لا بدّ من إقامة الحجّة، وبيان المحجّة؛ لأنّه قد يعذر بالجهل، أو الغفلة، أو الخطأ، أو التّأويل.

نصوصٌ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العذر بالجهل:  وكلام ابن تيمية رحمه الله في بيان العذر بالجهل كثير جدّا، من ذلك:

  1- قال ابن تيمية في  الردّ على البكري (2 /494):

" ولهذا كنت أقول للجهميّة من الحلوليّة والنّفاة الذّين نفوا أنّ الله تعالى فوق العرش لمّا وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرا؛ لأنّي أعلم أنّ قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنّكم جهّال، وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.

وأصل جهلهم شبهات عقليّة حصلت لرؤوسهم، في قصورٍ من معرفة المنقول الصّحيح والمعقول الصّريح الموافق له وكان هذا خطابنا، فلهذا لم نقابل جهله وافتراءه بالتّكفير بمثله".

2- وقال في "بغية المرتاد" (311):" وبيّنا أنّ المؤمن الذّي لا ريب في إيمانه قد يُخطئ في بعض الأمور العلميّة الاعتقاديّة، فيُغفَر له كما يغفر له ما يخطئ فيه من الأمور العملية، وأنّ حكم الوعيد على الكفر لا يثبت في حقّ الشّخص المعيّن حتّى تقوم عليه حجّة الله الّتي بعث بها رسله، كما قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}...".

3- وقال بعد ذكر مقالات الباطنية في "بغية المرتاد" (1/353-354):" فهذه المقالات هي كفر، لكن ثبوت التّكفير في حقّ الشّخص المعيّن موقوف على قيام الحجّة الّتي يكفر تاركها، وإن أُطْلِقَ القولُ بتكفير من يقول ذلك فهو مثل إطلاق القول بنصوص الوعيد، مع أنّ ثبوت حكم الوعيد في حقّ الشّخص المعيّن موقوف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه ...".

4- وقال - كما في "مجموع الفتاوى" (11/401) وقد سئل عمّن يزعم سقوط التّكاليف الشّرعيّة عنه:

" لا ريب عند أهل العلم والإيمان أنّ هذا القولَ من أعظم الكفر وأغلظه، وهو شرّ من قول اليهود والنّصارى "، ثمّ ذكر رحمه الله ألوانا من الموبقات الّتي يستبيحها هؤلاء النّاس، ثمّ قال (11/406):

" لكن من النّاس من يكون جاهلاً ببعض هذه الأحكام جهلاً يُعذَر به، فلا يُحكم بكفرِ أحدٍ حتّى تقوم عليه الحجّة من جهة بلاغ الرّسالة، كما قال تعالى:{لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}، وقال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}؛ ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أنّ الصّلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أنّ الخمر يحرم، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا؛ بل ولم يعاقب حتّى تبلغه الحجّة النبويّة "اهـ.

5- وقال - كما في مجموع الفتاوى (12/466) -:" وليس لأحدٍ أن يكفّر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقامَ عليه الحجّة وتُبيّن له المحجّة، ومن ثبت إسلامُه بيقين لم يزُلْ ذلك عنه بالشكّ؛ بل لا يزول إلاّ بعد إقامة الحجّة، وإزالة الشّبهة ".

6- وقال في " الردّ على البكريّ " (1/413):" ومن أنكر ما ثبت بالتّواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجّة عليه ".

7- وقال في " الردّ على البكريّ " (2/731-732) بعدما ذكر مظاهر كثيرة للشّرك:" وأنّ ذلك من الشّرك الّذي حرّمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلّة العلم بآثار الرّسالة في كثير من المتأخّرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتّى يتبيّن لهم ما جاء به الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ممّا يخالفه، ولهذا ما بيّنت هذه المسألة قطّ لمن يعرف أصل الإسلام إلاّ تفطّن وقال هذا أصل دين الإسلام ".

8- وقال في موضع آخر:" إنّي دائما - ومن جالسني يعلم ذلك منّي - أنّي من أعظمِ النّاس نهياً عن أن يُنسَب معيّنٌ إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلاّ إذا عُلِم أنّه قد قامت عليه الحجّة الرّسالية ".

نصوص عن الشّيخ محمّد بن عبد الوهاّب رحمه الله في العذر بالجهل:

1- قال كما في "الدّرر السنيّة "-(1/102-104):" وإذا كنّا لا نكفّر من عبد الصّنم الّذي على قبّة عبد القادر، والصّنم الّذي على قبر أحمد البدويّ وأمثالَهما لأجل جهلهم وعدم من ينبّههم، فكيف نكفّر من لم يشرك بالله ...".

وفي بعض النّسخ" " لأجل جهلهم وعدم من يفهّمهم ".

2- وقال رحمه الله (1/73) (1/82):" وأمّا التّكفير: فأنا أكفّر من عرف دين الرّسول، ثمّ بعد ما عرفه سبّه، ونهى النّاس عنه، وعادى من فعله، فهذا: هو الذّي أكفِّر، وأكثر الأمّة ولله الحمد ليسوا كذلك".

3- وقال (1/100):" وأمّا القول: أنّا نكفّر بالعموم ؟ فذلك من بهتان الأعداء، الذّين يصدّون به عن هذا الدّين؛ ونقول:{سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16] ".

4- وقال (10/113):" وأمّا ما ذكر الأعداء عنّي، أنّي أُكَفِّر بالظّنّ وبالموالاة، أو أكفّر الجاهل الذّي لم تقم عليه الحجّة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير النّاس عن دين الله ورسوله ".

5- وقال (10/128):" وإنّما نكفّر من أشرك بالله في إلهيّته، بعدما نبيّن له الحجّة على بطلان الشّرك ".

ومن أقوال عبد الله ابن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب -كما في الدّرر السنية (10/251)-:" وليعلم من أنعم الله عليه بمعرفة الشّرك، الّذي يخفى على أكثر النّاس اليوم، أنّه مُنِح أعظمَ النِّعَم ".  

***

ثمّ قال رحمه الله:

وفي الحديثِ (( الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَة ))، والدّليلُ قوله تعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60].

الشّرح:

هذا أوانُ تفصيل الكلام عن أنواع العبادة الّتي أمر الله تعالى بها، والّتي لا يحلّ لأحدٍ أن يصرف شيئا منها لغير الله عزّ وجلّ، وإلاّ وقع في الشّرك، وجانب التّوحيد.

فبدأ بالدّعاء، وذلك لسببين:

1- لأنّ جلّ العبادات مرجعها إليه، كالاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة، والتوكّل، والرّجاء، وغير ذلك.

2- لأنّ الدّعاء أهمّ مظاهر العبادة كما سبق بيانه مرارا؛ فالدّعاء متضمّن للافتقار، والتضرّع، والعلم بأسماء الله تعالى وصفاته كالسّمع والبصر والعلم والقدرة.

لذلك كان أحبّ العبادات إلى الله تعالى، كما في الحديث الّذي رواه التّرمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنْ الدُّعَاءِ ))، وفي الحديث الآخر (( مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ )) [رواه التّرمذي].

لذلك ذكر رحمه الله حديث: (( الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَة )).

وهذا الحديث رواه التّرمذي عن أنسٍ رضي الله عنه، وهو بهذا اللّفظ ضعيف، ولكنّ معناه صحيح.

واللّفظ الصّحيح للحديث هو ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السّنن إلاّ النّسائيّ عن النّعمَانِ بنِ بشِيرٍ رضي الله عنه عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قالَ: (( الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ ))، {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.

- قوله: (( الدّعاء )): لغة هو النّداء، ومنه قوله تعالى في ندائه عباده لطاعته:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: من الآية24]، وقوله:{وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس: من الآية25].

وجرى على ذلك كلام العرب، حتّى صار يسمّون طلب الحضور (دعوة)، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: (( إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ )) [متّفق عليه]، ومنه طلب حضور الزّوجة، كقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ )) [متّفق عليه]، وغير ذلك.

هذا إذا افترق اللّفظان، أمّا لو اجتمعا فلكلّ لفظ معناه الخاصّ، كقوله تعالى:{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاء} [البقرة: من الآية171]، فالدّعاء هنا للقريب، والنّداء للبعيد.

ثمّ صار الدّعاء عند الإطلاق هو نداء العباد ربَّهم.

والدّعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة.

أمّا دعاء المسألة: فهو دعاء الطّلب، أي: ما يستدعي مطلوبا من المولى عزّ وجلّ، لجلب نفع أو كشف ضرّ. وهو الّذي لا يفهم عامّة النّاس غيره.

ودعاء العبادة: وهو: أ) إمّا بالجوارح، كالصّلاة، والصّوم، وغير ذلك من العبادات، وسمّيت دعاءً لأنّ العبد يسأل الله تعالى بحاله لا بمقاله.

ب) وإمّا باللّسان، وهو ذكر الله والثّناء عليه دون أن تذكر مطلوبا، فتناديه بأسمائه وصفاته، لتُثْنِي عليه، والثّناء يتضمّن دعاءً، ومنه حديث: (( خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )).

ومنه حديث: (( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ:{لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَفَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ )).

ومنه ما رواه البيهقيّ عن سعد بنِ أبي وقّاص رضي الله عنه أنّ أعرابيّا قال للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: علّمني دعاءً لعلّ الله أن ينفعني به ؟ قال: (( قُلْ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ )).

وكلا النّوعين مطلوب، وفيه مرغوب، لا يجوز الاقتصار على أحدهما، لأنّ الله يحبّ الثّناء والمدح، وفي الوقت نفسه يحبّ أن يُسألَ، ولذلك أمر بدعائه في أكثر من موضع.

والفاتحة اشتملت على النّوعين معا.

قال ابن القيّم رحمه الله في " زاد المعاد " (1/235):".. الدّعاء نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة، والنبيّ كان يُكثِر في سجوده من النّوعين، والدّعاء الّذي أمر به في السّجود يتناول النّوعين ".

- وقوله: (( هوَ العِبَادَة )) فيه مبالغة في تعظيم شأن الدّعاء، والعرب إذا أرادت المبالغة في شيء حصرت الممدوح في الصّفة، ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( الحَجُّ عَرَفَةُ )) [أخرجه أهل السّنن والإمام أحمد]، مع انّ الحجّ يشمل أعمالا أخرى، ولكنّه جعل الوقوفَ بعرفة أعظم مناسك الحجّ. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ )) للتّنويه بمنزلة النّصيحة.

فكذلك العبادة تشمل أعمالا وأقوالا كثيرة، ولكنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جعل الدّعاء على رأسها.

بل جرى القرآن الكريم على تسمية الدّعاء عبادة والعبادة دعاء، ومنه الآية الّتي تلاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:{وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60]، أي: صاغرين.

ومثله قوله تعالى:{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} [الفرقان:77].. فقد فسّر قوله تعالى:{لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} في أحد القولين بالعبادة، أي: أيّ شيء خلقكم الله لأجله ؟ ألحاجة ؟ ألضعف ؟ إنّما خلقكم لتعبدوه، ولكنّكم كذّبتم فسوف يكون عذابكم لزاما.

- قوله: ( ثمّ قرأ:{وَقَالَ رَبُّكُمْ}): الّذي ربّاكم، وربّى العالمين جميعهم بنعمه.

- قوله:{اُدْعُونِي}: اسألوني، واعبدوني. ولم يجعل بينه وبين العباد وساطة.

- قوله:{أَسْتَجِبْ لَكُمْ} والاستجابة أيضا نوعان:

استجابة دعاء الطّالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المُثْنِي والعابد بالثّواب.

وبكلّ واحد من النّوعين فُسِّر كذلك قولُه تعالى:{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، قال ابن القيّم:" والصّحيحح أنّه يعمّ النّوعين ".

وفي هذا الحديث تحذير لطائفتين:

الأولى: المتقاعسة عن الدّعاء، وكأنّ الّذي لا يبدأ أموره بتوكّله على الله ودعائه فيه استكبار عياذا بالله.

الثّانية: المشركة في الدّعاء. فمن صرف شيئا من الدّعاء لغير الله، فقد عبد غير الله، قال تعالى:{وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، وقال عزّ وجلّ:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)}، قال ابن القيّم رحمه الله في "البدائع" (3/524):

" أخبر أنه لا يحبّ أهل العدوان وهم الّذين يدعون معه غيرَه، فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا فإن أعظم العدوان الشّرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها "اهـ.

ولذلك شدّد الأئمّة في هذه العبادة ليسدّوا باب الشّرك، ومن مظاهر سدّ الذّرائع:

أ) ما ذكره ابن القيّم في "إغاثة اللّهفان" (ص 201) عن الأئمّة الأربعة في الدّعاء وقت زيارة قبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنّه يستقبل القبلة وقت الدّعاء، حتّى لا يدعو عند القبر، فإنّ الدّعاء عبادة ".

ب) تحريم التوسّل بالمخلوق، ولو كان نبيّا، لذا قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:" لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلاّ به، وأكره أن أقول: بمعاقد العزّ من عرشك أو بحقّ خلقك ..."، والمراد بالكراهة هنا التّحريم.

ج) تنصيب شخص للدّعاء. كأن يُجعل طلب الدّعاء منه عادةً.

وقد ذكر الإمام الشّاطبيّ رحمه الله في " الاعتصام " آثارا في امتناع الصّحابة رضي الله عنهم من الدّعاء لمن سأله منهم.

روى الطبري عن مدرك بن عمران، قال: كتب رجل إلى عمر رضي الله عنه: ادعُ الله لِي، فكتب إليه عمر:" إنّي لست بنبيّ، ولكن إذا أقيمت الصّلاة فاستغفر اللهَ لذنبك ".

وعن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أنّه لمّا قدم الشّام أتاه رجل، فقال: استغفر لي، فقال: غفر الله لك، ثمّ أتاه آخر، فقال: استغفِرْ لي، فقال: لا غفر الله لك، أنبيّ أنا ؟! 

فامتناعهم لم يكن لذات الدّعاء، وإنّما هو خشيةَ أن يُعتقَدَ فيه أنّه مثل النبيّ، أو أنّه وسيلة إلى الله سبحانه، أو يعتقد أنه سنّة فيلتزمها النّاس. 

يقول الشّيخ مبارك الميلي رحمه الله في " رسالة الشّرك ومظاهره " (ص 281):

" وقد وُجد في عصرنا من الطرقيّين والمرابطين من ينتصب للدّعاء، ويصرّح بكونه واسطةً بين الله وخلقه في جلب المحبوب ودفع المكروه، فإذا رضي عن أحد ضمِن له ما يشتهي من حاجات من الدّنيا ونعيم الآخرة، وإذا غضب عن آخر توعّده بحلول النّقمة، ورضاه وغضبه تابعان لمطامعه فيما في أيدي النّاس.

ورأينا من الجهّال المعتقدين في لصوص الدّين هؤلاء من يبذل فوق طاقته طلبا لرضاهم عنه، وفوزه بدعوة منهم له، ويشتري ما ينتسب إليهم من شمع وبخور مزايدةً بأرفع الأثمان؛ ليقوم ذلك الشّيء المُشترى مقامَ دعوة صاحبه. 

ففي الانتصاب للدّعاء وسؤاله ذريعةٌ إلى الشّرك والعياذ بالله ". 

ثمّ قال رحمه الله (ص 285): 

" ولقد فشا في المسلمين دعاءُ غير الله على شدّة إنكار كتابهم له، وتحذير نبيّهم منه، حتّى صار الجهلة ومن قرُب منهم يؤْثِرونه على دعاء الله وحده ! 

والاستشهاد لذلك بالحكايات عنهم واستيعابها مملّ معجز، فلنقتصر على حكاية واحدة. 

الحكاية العاشورية: 

ففي سنة سبع وأربعين، قُتل شيخنا محمّد الميلي رحمه الله، فأتيت من الأغواط. وجاء للتعزية الشيخ عاشور صاحب "منار الأشراف"، وملقّب نفسه (كليب الهامل)، والهامل قرية بالحضنة قرب أبي سعادة بها زاوية كانت تمدّه بالمال. 

فحضرتُ مجلسهُ ولم أُشْعِرْه بحضوري ... وذلك لئلاّ يحترز في حديثه أو نقع في حديث غير مناسب للمقام. 

سمعت في ذلك المجلس بأذنَيّ (كليبَ الهامل) يحكي مناقضاً لدعوة الإصلاح الّتي اشتهرت يومئذ: 

أنّ شيخا من شيوخ الطّرق الصّوفية كان مع مريديه في سفينة، فهاج بهم البحر وعلت أمواجه، فلجئوا جميعا إلى الله يسألون الفرج والسّلامة.

وكان الشّيخ منفردا في غرفة يدعو، فلم تنفرج الأزمة، وعادتُه أن لا يُبْطَأ عليه بالإجابة، فوقع في رُوعِه أنّه أُتِيَ من قِبَلِ أتباعه، لا لنقص فيه يوجب هذا الإعراض عنه !

فخرج على أتباعه مُغضباً يقول: ماذا صنعتم في هذه الشدّة ؟ فقالوا: دعونا الله مخلصين له الدّين بلسان المضطرّين - إشارة لقوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}. فنَكِر عليهم اللّجوءَ إلى الله مباشرة ! ووبّخهم عليه ! وعرّفهم أنّ ذلك هو الحائل دون استجابة دعائه ! وأنذرهم عاقبة استمرارهم على التوجّه إلى ربّهم، وأنّه الغرق ! وعلّمهم أنّ واجبهم هو التوجّه إليه وسؤاله، ثمّ هو وحده يتوجّه إلى الله !

فتابوا من دعاء الموحّدين، وامتثلوا تعليم الشّيخ المخالف لتعليم ربّ العالمين ! وعاد الشّيخ إلى غرفته يدعو متوسّطا بين الله وبين مريديه ! فانكشفت الغمّة وسلمت السّفينة. وحمد الشّيخ ثقتَه بنفسه وفقهَه سِرّ البطء عن استجابة دعائه، وتفقيهَه لأتباعه سرّ النّجاة، وصرفَهم إلى الثّقة به عن الثقة بالله !

هذا معنى ما سمعته من (كليب الهامل) ... يستدلّ الشيخ عاشور وأتباعه بأمثال هذه الحكاية على لزوم التعلّق بشيوخ الزّوايا وتوسيطهم بين العباد وربّهم ! ناسخين بها نصوصَ الشّريعة الكثيرة المحكمة، وتتلقّفها منهم العامّة بقلوبها، وتتمسّك بها في الاحتجاج لإيثار دعاء غير الله، وتعتقد أنّ ذلك أليقُ بحالها من أن تُخاطب بنفسها أرحم الرّاحمين ! سنّة المشركين من قديم ..."اهـ.


  

 : 

الأحد 16 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 11 ديسمبر 2011 20:56

- شرح الأصول الثّلاثة (15) الدّعاء هو العبادة

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فكان آخر ما رأيناه هو أنواع العبادة، ووجوب الإخلاص فيها لله تبارك وتعالى، وأنّ من صرف شيئا منها لغيره سبحانه، فإنّه كافر مشرك.

وذكرنا الفرق بين التّكفير بالنّوع والتّكفير بالعين، وأنّه إذا تعلّق الأمر بالأعيان والأشخاص فإنّه لا بدّ من إقامة الحجّة، وبيان المحجّة؛ لأنّه قد يعذر بالجهل، أو الغفلة، أو الخطأ، أو التّأويل.

نصوصٌ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العذر بالجهل: وكلام ابن تيمية رحمه الله في بيان العذر بالجهل كثير جدّا، من ذلك:

الباب السّابع:" التّرغيب في التّسبيح، والتّكبير، والتّهليل، والتّحميد على اختلاف أنواعه ".

الحديث الأوّل:

عن أبي هريرَةَ رضي الله عنه قال: قال النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم:

(( كَلِمَتَانِ: خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ:" سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ " )).

[رواه البخاري، ومسلم، والتّرمذي، والنّسائي، وابن ماجه].

السبت 15 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 10 ديسمبر 2011 10:16

185- هل وَأَدَ عمرُ رضي الله عنه ابنتَه ؟

نصّ السّؤال:

سمعت أحد المشايخ على إحدى القنوات الفضائيّة يضعّف قصّه وأْدِ عمر بنِ الخطّاب رضي الله عنه لابنته ؟

فالرّجاء توضيح الصّواب في ذلك، جزاكم الله خيرا.

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فلا يزال أهل العلم يردّدون مقولة من قال: ما أعزّ الإنصاف في النّاس ! وهو أكثر عزّةً منه إذا تعلّق الأمر ببني أميّة.

فلا ينبغي أن يحملنا بطش ابن زياد، ومكر ابن الجوشن وغيرهم على تعميم الحكم على جميع بني أميّة، وفيهم الصّالحون والعُبّاد، والأمراء من أهل الرّشاد. فكان لزاما من معرفة مواقف كثير من بني أميّة من تلك المأساة.

عاشراً: تعظيم الأمويّين للحسين رضي الله عنه.

الجمعة 14 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 09 ديسمبر 2011 20:12

فصل الشّتاء ربيع المؤمن (صوتي)

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

 فصل الشّتاء ربيع المؤمن:

الخطبة الأولى:[بعد الخطبة والثّناء] 

فيقول المولى تبارك وتعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)}. 

يستفتح الله تعالى هذه الآية بأداة الاستفتاح والتّنبيه، وذلك لنُصغِي إليه الأسماع والآذان، ونفتح له الفؤاد والجنان، ليحدّثك عن وعده لأوليائه، وأنصاره وأحبّائه، أن: لا خوفٌ عليهم فيما هو آت، ولا حزن على ما قد مضى أو فات، ويبشّرهم بشارة ظاهرة، بالسّعادة في الدّنيا والآخرة، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: من الآية111].

أمّا في الحياة الدّنيا: فقد كتب الله كتابا لا تبديل فيه أنّ أولياءه هم الغالبون فقال:{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة: 56].

أمّا في ساعة توديع الحياة الدّنيا: فقد كتب الله كتابا لا تبديل فيه أنّ أولياءه هم الآمنون، فقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)} [فصّلت].

أمّا يوم القيامة: فقد كتب الله كتابا لا تبديل فيه أنّ أولياءه هم الفائزون:{يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70)} [الزّخرف].

فمن هم أولياء الله ؟



مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ ؟
الجمعة 14 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 09 ديسمبر 2011 17:18

- فصل الشّتاء ربيعُ المؤمن

الخطبة الأولى:[بعد الحمد والثّناء] 

فيقول المولى تبارك وتعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)}. 

يستفتح الله تعالى هذه الآية بأداة الاستفتاح والتّنبيه، وذلك لنُصغِي إليه الأسماع والآذان، ونفتح له الفؤاد والجنان، ليحدّثك عن وعده لأوليائه، وأنصاره وأحبّائه، أن: لا خوفٌ عليهم فيما هو آت، ولا حزن على ما قد مضى أو فات، ويبشّرهم بشارة ظاهرة، بالسّعادة في الدّنيا والآخرة، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: من الآية111].

أمّا في الحياة الدّنيا: فقد كتب الله كتابا لا تبديل فيه أنّ أولياءه هم الغالبون فقال:{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة: 56].

الجمعة 14 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 09 ديسمبر 2011 10:19

شرح كتاب الحجّ 24: فضائل المدينة النّبويّة والموت بها (2)

من سلسلة: شرح كتاب الحجّ من (صحيح التّرغيب والتّرهيب)

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

شرح كتاب الحجّ 24: فضائل المدينة النّبويّة والموت بها (2)

تابع: الباب الخامس عشـر: ( التّرغيب في سُكنى المدينة إلى الممات، وما جاء في فضلها،

وفضل أُحُدٍ، ووادي العقيق ).

الأحاديث: الثّامن، والتّاسع، والعاشر، والحادي عشر

1193-وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا )).

[رواه التّرمذي، وابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه"، والبيهقيّ] ولفظ ابن ماجه:

(( مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا )).

وفي رواية للبيهقيّ: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ، فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ بِالمَدِينَةِ شَفَعْتُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ )).

1194-وَعَنِ الصُّمَيْتَةِ - امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ[1] رضي الله عنها- أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لاَ يَمُوتَ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنَّهُ مَنْ يَمُتْ بِهَا يُشْفَعْ لَهُ، أَوْ يُشْهَدْ لَهُ )).

[رواه ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقيّ].

1195-وفي رواية للبيهقيّ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ، فَمَنْ مَاتَ بِالمَدِينَةِ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا )).

1196-وَعَنْ سُبَيعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ، فَإِنَّهُ لاَ يَمُوتُ بِهَا أَحَدٌ إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ )).

[رواه الطّبراني في "الكبير"، ورواته محتجّ بهم في "الصّحيح"، إلاّ عبدَ الله بن عكرمة، روى عنه جماعة، ولم يخرجه أحد، وقال البيهقيّ: "هو خطأ، وإنّما هو عن صُمَيْتَة " كما تقدّم.

5- الفضل الخامس: أنّها أمان من الدجّال، والطّاعون.

* الحديث الثّاني عشـر:

1197-وَعَنِ امْرَأَةٍ يَتِيمَةٍ كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثَقِيفٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ، فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ بِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ )).

[رواه الطّبراني في "الكبير" بإسناد حسن].

( قال المملي ) الحافظ رحمه الله:

" وقد صحّ من غير طريق عن النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الوَبَـاءَ وَالدَّجَّـالَ لاَ يَدْخُـلاَنِـهَا )). اختصرت ذلك لشهرته ".

  • الشّـرح:

فإنّ المدينة النّبويّة حرسها الله لجليل حرمتها، وعظيم بركتها، جعلها الله عزّ وجلّ عصمةً من أمرين عظيمين:

أ‌) جعلها الله عصمة من فتنة الأهوال، وأكبر أئمّة الضّلال: المسيح الدجّال.

فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

(( يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، هِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ، حَتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ )).

وفي الصّحيحين عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

(( لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ )).

ب‌) وجعل الله المدينة عِصمةً وأمانا من الطّاعون.

فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:

(( عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ )).

والطّاعون هو الوباء العام الّذي يصيب النّاس، وقد جعله الله عذابا للفاسقين وشهادة للصّالحين، روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ )) فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ: (( وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَفِي كُلٍّ شُهَدَاءُ )).

قال العلماء: وفي منع الملائكة للطّاعون حفظا للأبدان، وفي منعها للدجّال حفظا للأديان.

6- الفضل السّادس: أنّها أرض مباركة.

* الحديث الثّالث عشـر:

1198-وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى بِأَرْضِ سَعْدٍ بِأَصْلِ الْحَرَّةِ، عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا ثُمَّ قَالَ:

(( [اللَّهُمَّ] إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَكَ وَعَبْدَكَ وَنَبِيَّكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَرَسُولُكَ أَدْعُوكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مِثْلَ مَا دَعَاكَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ، نَدْعُوكَ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ وَثِمَارِهِمْ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ، كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ، وَاجْعَلْ مَا بِهَا مِنْ وَبَاءٍ بِـ(خُـمٍّاللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَمَا حَرَّمْتَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمَ )).

[رواه أحمد، ورجال إسناده رجال الصّحيح].

  •  شرح الحديث:

- قوله: ( وَاجْعَلْ مَا بِهَا مِنْ وَبَاءٍ بِخُـمٍّ ): سيأتي إن شاء الله في الحديث التّالي بيان شدّة حمّى المدينة.

- أمّا ( خمّ ) فقال المصنّف إنّها:- بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم -: اسم غيضة بين الحرمين، قريبا من الجُحْفة، لا يولد بها أحدٌ فيعيش إلى أن يحتلم، إلاّ أن يرتحل عنها لشدّة ما بها من الوباء والحمّى بدعوة النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأظنّ غدير ( خمّ ) مضافا إليها.

*الحديث الرّابع عشـر:

1199-وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:

" كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ )).

قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ ".

[رواه مسلم وغيره].

  •  شرح الحديث:

- قوله: ( في صاعنا ومدِّنا ) يريد في طعامنا المكيل بالصّاع والمدّ، ومعناه: أنّه دعا لهم بالبركة في أقواتهم جميعا.

- قوله: ( ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ ): فيه سنّية البدء بإعطاء الجديد من الطّعام للطّفل. 

وخصّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الصّغير، لكونه أرغبَ فيه، وأكثرَ تطلعاً إليه، ويفرحَ ما لا يفرح به الكبير.  

- ومن فوائد الحديث: 

أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا الله تبارك وتعالى أن يبارك في المدينة ضِعْفَي ما بارك في مكّة، ليُعلّمنا صلّى الله عليه وسلّم أنّ وطن المسلم لا حيث يولد جسده وينمو بنانه، ولكن حيث يصحّ إسلامه ويسلم إيمانه.

والله تعالى أعلى وأعلم. 

تابع: الباب الخامس عشـر: ( التّرغيب في سُكنى المدينة إلى الممات، وما جاء في فضلها،

وفضل أُحُدٍ، ووادي العقيق ).

فإنّ ما رأيناه من فضائل المدينة النّبويّة أنّها: 1- خُصّت بأشرف الأسماء والأوصاف. 2- وأنّ من مات بها حلّت له شفاعة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. 3- وأنّها بلد حرام. 4- وأنّها خير البلاد بعد مكّة. 5- وأنّها حصن للأديان والأبدان. 6- وأنّها أرض مباركة.

- الفضل السّابع: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا أن يُرزَق حبّها.

* الحديث الخامس عشـر:

1200-عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بـ(الْجُحْفَةِ) )).

[رواه مسلم، وغيره].

  •  الشّـرح:

- قوله: ( حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ ): كما سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم المضاعفة في البركة، سأل المضاعفة في حبّ المدينة، لأنّه صلّى الله عليه وسلّم ترك مكّة لله تعالى وهو محبّ لها، فهو يسأله أن يُبدله حبّا أعظم من حبّه لمكّة.

- قوله: ( وَانْقُلْ حُمَّاهَا بالْجُحْفَةِ ): فقد كانت المدينة أرضَ وباء وأمراض عديدة، وحمّى شديدة. 

روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:

كُلُّ امْـرِئٍ مُصَبَّـحٌ فِي أَهْلِـهِ *** وَالْمَـوْتُ أَدْنَـى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِـهِ 

فَقَالَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ )). ثُمَّ دعا صلّى الله عليه وسلّم بهذا الدّعاء، وقال: (( ... وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ )).

- قوله: ( بالجحفة ): قال الخطّابي وغيره:" وكان ساكنو الجحفة يهُودا في ذلك الوقت. ففيه دليل للدّعاء على الكفّار بالأمراض والأسقام والهلاك ... وهذا مذهب العلماء كافّة ".

ومن الأحاديث الّتي تكرّر معناها:

* الحديث السّادس عشـر:

1201-وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ السُّقْيَا الَّتِي كَانَتْ لِسَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدَكَ وَخَلِيلَكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْبَرَكَةِ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، أَدْعُوكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، مِثْلَ مَا بَارَكْتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَاجْعَلْ مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ )).

[رواه الطّبراني في "الأوسط" بإسناد جيّد قويّ].

* الحديث السّابع عشـر:

1202-وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا )).

[رواه مسلم في حديث] .

* الحديث الثّامن عشـر:

1203-وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ )).

[رواه البخاري ومسلم].

* الحديث التّاسع عشـر:

1204-وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: دَعَا نَبِيُّ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، وَيَمَنِنَا )).

فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللهِ ! وَعِرَاقِنَا ؟ قَالَ:

(( إِنَّ بِهَا قَرْنَ الشَّيْطَانِ، وَتَهَيُّجَ الفِتَنِ، وَإِنَّ الجَفَاءَ بِالمَشْرِقِ )).

[رواه الطّبراني في "الكبير"، ورواته ثقات].

  •  شـرح:

هذا الحديث تضمّن الدّعاء بالبركة للمدينة النّبويّة - كما مرّ معنا -، وذلك قوله: ( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا ).

ودعا بالبركة للشّام واليمن، وقد وردت أحاديث كثيرة في شأنهما، وبيان فضلهما.

ولمّا كانت العراق من كبار الأمصار، وأشهر الأقطار، سأل سائل عنها.

- قوله: ( وَعِرَاقِنَا ؟): وفي رواية البخاري:" وَفِي نَجْدِنَا ؟ "، والمقصود به العراق، لأنّ نجد كلّ شيء بحسَبه، قال الخطّابي رحمه الله:

" من كان بالمدينة كان نجُده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النّجد ما ارتفع من الأرض ".

تنبيه: مِن جَهل كثير من أهل الأهواء بلغة الشّرع ولغة العرب، أنّك تراهم حملوا الحديث ( وفي نَجْدِنَا ) على نجد المعروفة بالحجاز، وقالوا: فيه إشارة إلى الوهّابيّة ! وأنّهم مصدر الفتن !

وبغضّ النّظر عن تسميتهم بـ( الوهاّبية ) فإنّهم غفلوا أو تغافلوا عن الرّواية المفسّرة لها بالعراق، كما بيّنه الحافظ ابن حجر في " الفتح " (13/38)، حيث قال: " كلّ شيء ارتفع بالنّسبة إلى ما يليه يُسمّى المرتفع نـجـدا، والمنخفض غـورا ".

- قوله: ( إِنَّ بِها قَرْنَ الشَّيْطَانِ ): ذكر المصنّف رحمه الله معنيين لذلك، فقال:

" قيل معناه: أتباع الشّيطان وأشياعه.

وقيل: شدّته وقوّته ومحلّ ملكه وتصريفه، وقيل غير ذلك "اهـ.

ويمكن أن يقال: بما أنّ العراق جهة المشرق من حيث تطلع الشّمس، فإنّ الشّيطان يقرن رأسه بالشّمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له كما هو معروف. فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يشير إلى أنّ تلك الجهة ليست كغيرها، فإنّ الشّيطان يرفع قرنه بها.

وليس المقصود أنّ أهل العراق لا خير فيهم، فإنّ فيهم كثيرا من العلماء والصّالحين من البصرة والكوفة وبغداد: كالحسن البصريّ، والنّخعي، وأبي حنيفة، والإمام أحمد، وغيرهم كثُر، وما زالت بغداد عاصمة العلوم.

ولكنّ المقصود أنّ بعض بلدان العراق في كثير من الأحيان يستحوذ عليها الشّيطان بإثارة الفتن والبلابل، وكانت أوّل الفتن وأكثرها من العراق.

* الحديث العشـرون:

1205-وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( رَأَيْتُ فِي المَنَامِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ، خَرَجَتْ حَتَّى قَامَتْ بِـ( مَهْيَعَةَوَهِيَ ( الجُحْفَةُفَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ المَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى الجُحْفَةِ )).

[رواه الطّبراني في "الأوسط"، ورواة إسناده ثقات] .

  • الشّـرح:

قال المصنّف رحمه الله:" ( مهيعة ) - بفتح الميم وإسكان الهاء بعدها ياء مثنّاة تحت وعين مهملة مفتوحتين – هي: اسمٌ لقرية قديمة كانت بميقات الحجّ الشّامي على اثنين وثلاثين ميلا من مكّة، فلمّا أخرج العماليقُ بنِي عبيل إخوةَ عاد من يثرب نزلوها، فجاءهم سَيْل (الجُحَاف)- بضمّ الجيم - فجحفهم، وذهب بهم، فسمّيت حينئذ ( الجحفة )- بضمّ الجيم وإسكان الحاء المهملة -.

* الحديث الحادي والعشـرون:

1206-وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( خَيْرُ مَا رُكِبَتْ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ مَسْجِدُ إِبْرَاهِيمَ عليه السّلام، وَمَسْجِدِي )).

[رواه أحمد بإسناد حسن، والطبراني وابن خزيمة في "صحيحه"] إلاّ أنّه قال:

(( مَسْجِدِي هَذَا وَالبَيْتُ المَعْمُورُ )).

وابن حبّان في "صحيحه" ولفظه:

(( إِنَّ خَيْرَ مَا رُكِبَتْ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ مَسْجِدِي هَذَا، وَالبَيْتُ العَتِيقُ )).

* الحديث الثّاني والعشـرون:

(قال الحافظ):

1207-وَقَدْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ مَا طَرِيقٍ أَنَّ النَبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لاَ تُشَدُّ الرَّوَاحِلُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى )).

[تقدّم 14-/من حديث عائشة].

  • الشّـرح:

سبق الكلام عن مسألة شدّ الرّحال إلى المساجد الثّلاثة بما فيه كفاية إن شاء الله.

- قوله في حديث جابر: ( مَسْجِدِي هَذَا، وَالبَيْتُ المَعْمُورُ ): البيت المعمور هنا هو الكعبة شرّفها الله تعالى.

أمّا البيت المعمور الّذي أقسم الله به في سورة الطّور، فهو كعبة السّماء السّابعة، ففي صحيح البخاري ومسلم وأحمد – واللّفظ له – عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ )).

وإنّما سمّي معمورا، من العمرة وهي الزّيارة، أو من العِمارة، ففي كلّ وقت وحين يطوف العباد ببيت ربّ العالمين، فذاك معمور في السّماء، وذاك معمورٌ في الأرض.

والله الموفّق.

تابع: الباب الخامس عشـر: ( التّرغيب في سُكنى المدينة إلى الممات، وما جاء في فضلها،

وفضل أُحُدٍ، ووادي العقيق ).

فمن فضائل المدينة النّبويّة:

الفضل الثّامن: أنّ بـهـا بـقـاعا مبـاركـة.

* الحديث الثّالث والعشـرون:

1208-وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَلْحَةَ:

(( الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي )).

فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلَّمَا نَزَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ:

(( هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ )).

فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ:

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا، مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ،-قَالَ-: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ )).

[رواه البخاري ومسلم-واللّفظ له-].

  • شــرح:

إنّ بالمدينة بقاعاً عظُمت عند الله حتّى أحبّت أهل الإيمان، وتشتاق إلى أهل الإحسان، منها جبل أحد.

ومثل هذا الحديث ما رواه الشّيخان عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ:

أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: (( هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ )).

قال الخطّابي في شرح قوله صلّى الله عليه وسلّم: (( هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ )):" أراد به أهلَ المدينة وسكّانَها، كما قال تعالى:{وَاسْأَلِ القَرْيَةَ} أي: أهلَ القرية ".

قال البغويّ:" والأولى إجراؤه على ظاهره، ولا يُنكر وصفُ الجمادات بحبّ الأنبياء والأولياء وأهل الطّاعة، كما حنّت الأسطُوانةُ على مفارقته صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتّى سمع القوم حنينها إلى أن سكّنها، وكما أخبر: أنّ حجرًا كان يسلِّم عليه قبل الوحي، فلا يُنكر عليه أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبّه، وتحنّ إلى لقائه حالة مفارقته إيّاها ".

قال الحافظ المنذري:" وهذا الّذي قاله البغوي حسن جيّد، والله أعلم.

وقد روى الترمذي من حديث الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ:" كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! ". وقال التّرمذي: "حديث حسن غريب".

تـنـبـيـه: هذا الحديث الذي فيه تسليم الحجر على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ذكره النّاسخ أو الطّابع أو الشّيخ الألباني رحمه الله على أنّه من أحاديث الباب، والمتأمّل يُدرِك أنّه لا علاقة له بفضائل المدينة، وإنّما أورده المصنّف رحمه الله نظيرا لتكليم الجماد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والله أعلم.

ومن البقاع المباركة أيضا وادي العقيق، ولذلك ساق فيه حديثين اثنين:

* الحديث الرّابع والعشـرون:

1210-وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَتَانِي آتٍ وَأَنَا بِالعَقِيقِ، فَقَالَ: إِنَّكَ بِوَادٍ مُبَارَكٍ )).

[رواه البزّار بإسناد جيّد قويّ] .

* الحديث الخامس والعشـرون:

1211-وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، وَأَنَا بِـ ( العَقِيقِأَنْ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ )).

  • شـرح:

وادي العقيق: هو بقرب البقيع، بينه وبين المدينة أربعة أميال.

قال الحافظ: وفي الحديث فضل العقيق كفضل المدينة، وفضل الصّلاة فيه.

وقد جاء في فضل العقيق أمران غير صحيحين:

أ‌) الأوّل: أنّه مهلّ أهل العراق، والحديث في "سنن التّرمذي" بسند ضعيف عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ. وهو منكر لمخالفته الصّحيح، فقد روى مسلم عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ))

ولمّا ظنّ بعضهم صحّته جعلهم يجمعون بين هذين الحديثين، فقال ابن عبد البرّ رحمه الله عن الإحرام من العقيق:" هو أحوط من ذات عرق ".

ب‌) الثّاني: التختّم من أحجاره، فقد رُويت فيه أباطيل وأكاذيب، لا يصحّ منها شيء.

وقد فات المصنّف فضائل أخرى للمدينة:

  • الفضل الثّامن: أنّ المدينة تنفي الخَبَث كما ينفي الكير خبث الحديد:

والكير هو ما ينفخ فيه الحدّاد، والمراد أنّها لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تميّزه عن القلوب الصّادقة، وتخرجه كما يميّز الحدّاد رديء الحديد من جيّده.

فقد روى البخاري ومسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى الْأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَقِلْنِي بَيْعَتِي. فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:

(( إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا )).

ولا تزال تنفي الخبيث وتميّزه إلى قيام السّاعة، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ ! هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ ! وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ".

ومن أجل ذلك، إذا خرج الدجّال رجفت المدينة، فيخرج كلّ منافق منها.

  • الفضل التّاسع: كما تنفي الخبيث، فإنّها مأوى أهل الإيمان، وشوق أهل الإحسان.

فقد روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:

(( إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ [ أي: ينضمّ ويجتمع ] إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا )).

ولذلك جعلها الله تعالى مأوى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه يوم ضاقت بهم الأرض بما رحُبت، واجتمع عليهم أهل الشّرك والكفر. حتّى صارت تُلقّب بدار الهجرة.

  • والفضل العاشر: أنّ بها المسجدين الّذين أسّسا على التّقوى.

هما: المسجد النّبويّ، ومسجد قباء، وقد سبق الكلام عليهما.

  • الفضل الحادي عشر: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا على من أخاف أهلها.

وقد عقد المصنّف بابا كاملا لذلك، وهو الباب التّالي والأخير.

الباب السّادس عشـر: ( التّرهيب من إخافة أهل المدينة أو إرادتهم بسوء ).

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فهذا الباب هو آخر أبواب كتاب الحجّ، عقده المصنّف رحمه الله ليبيّن حُرمة المدينة ومنزلتها عند الله، ومرتبتها عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد كتب الله لمن عظّم حرماته أن يُعظّمه، ويلبسه لباس المهابة ويُكرمه.

وما من أحدٍ جلب على أهل المدينة الخوف والهلع، وأدخل عليهم الفزع، إلاّ أذلّه الله وصغّره، وكساه ثوب مهانة وحقّره، وتتابعت عليه لعنات الخلق أجمعين، ولا يجدُ له من وليّ ولا نصير أو مُعين.

* الحديـث الأوّل:

1212-عَنْ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ، إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ )).

[رواه البخاري ومسلم]. وفي رواية لمسلم:

((... وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ )).

وقد روي هذا الحديثُ عن جماعة من الصّحابة في " الصّحاح " وغيرها.

  • شــرح:

- قوله: ( يَكِيد ): من الكيد، أي: أراد بأهل المدينة سوءا. ومن أخطاء النّاس اليوم إذا أرادوا أن يؤكّدوا الوعد أو القول قالوا: (أكيد) !!

وليس له معنى في اللّغة إلاّ أنّه فعل مضارع لـ( كاد يكيد كيدا ) فتنبّه !

فإذا رام الفصاحة، فعليه أن يقول: مؤكّد. وليس هذا موضع بسط تعليل وجه التّخطئة.

- قوله: ( اِنْمَاعَ): من الميوعة، وهي السّيلان والذّوبان، ومنه يقال للشّيء السّائل: ( مائع ) كالزّيت والماء والخلّ ونحو ذلك.

الشّاهد: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم شبّه أهل المدينة لوفور علمهم، وصفاء قرائحهم بالماء، وشبّه من يريد بهم كيدا وسوءا بالملح.

فعقابه يوم القيامة أنّ الله يُذيبه في النّار كما يذوب الملح في الماء، وفي الرّواية الأخرى: ( ذَوبَ الرَّصَاصِ في النّار ).

* الحديث الثّـانـي:

1213-وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه:

أَنَّ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الْفِتْنَةِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جَابِرٍ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْهُ، فَخَرَجَ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَانْكَبَّ، فَقَالَ: تَعِسَ مَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَقَالَ ابْنَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا: يَا أَبَتِ ! وَكَيْفَ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ مَاتَ ؟! قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَيَّ )).

[رواه أحمد ورجاله رجال "الصّحيح"]. ورواه ابن حبان في "صحيحه" مختصرا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ أَخَافَ أَهْلَ المَدِينَةِ أَخَافَهُ اللهُ )).

  • شــرح:

- قوله: ( أَنَّ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الْفِتْنَةِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ): يقصِد فتنة الحرّة الّتي أجّج نارها وزاد أوراها مسلم بن عقبة، حيث استُبِيحت فيها المدينة ثلاثة أيّام.

- قوله: ( مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ جَنْبَيَّ ): وهذا وعيد شديد لمن أحدث في المدينة جنايةً يُخيف بها أهل المدينة، فإنّه يكون بذلك قد آذى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والله يقول:{ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ التّوبة من: (61)]، ويقول:{ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً (57)} [الأحزاب].

* الحديثان: الثّالث والرّابع.

1214-وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( اللَّهُمَّ مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ المَدِينَةِ وَأَخَافَهُمْ فَأَخِفْهُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالمَلاَئِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ )).

[رواه الطبراني في "الأوسط"، و"الكبير" بإسناد جيّد].

1215-وروى النّسائي، والطّبراني، عَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلاَّدٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( اللّهُمَّ مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ المَدِينَةِ وَأَخَافَهُمْ فَأَخِفْهُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالمَلاَئِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلاَ عَدْلاً )).

  • شــرح:

اختلف العلماء في شرح معنى ( الصّرف )، و( العدل ) على أقوال لكثيرة، بلغت عشرة، ذكرها الحافظ في " فتح الباري "، وذكر المصنّف بعضا منها، أهمّها:

- (الصّرف): هو الفريضة، و(العدل): التطوّع، قاله سفيان الثّوري.

- وقيل بالعكس: ( الصّرف ): هو النّافلة، و( العدل ) هو الفريضة، وهذا قاله الحسن البصريّ.

- وقيل: ( الصّرف): التوبة، و( العدل ): الفدية، قاله مكحول والأصمعيّ.

- وقيل: ( الصّرف): الاكتساب، أي عمله لنفسه، و( العدل ): الفدية، قاله يونس بن حبيب.

- وقيل: ( الصّرف ): الوزن، و( العدل ): الكيل، قاله ابن دريد.

وقيل غير ذلك.

- وأحسن من ذلك قول من قال: ( الصّرف ) الشّفاعة، و( العدل ): الفدية، فيوافق قوله تعالى:{ وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } [البقرة: من الآية 48]، لأنّ الشّفاعة تصرف العذاب، وبهذا جزم البيضاوي.

وبهذا نأتي على نهاية " كتاب الحجّ " من صحيح التّرغيب والتّرهيب.

وجزى الله عنّا كلّ خير من دعا لنا بظهر الغيب أن يثبّتنا الله على الهدى، ويُجنّبنا مزالق الهوى والرّدى.

نسأل الله تعالى بأسمائه الحُسنى، وصفاته العُلى، أن يُعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علّمنا، وأن يزيدنا علما.

نسأله تعالى الّذي بيده خزائن السّموات والأرض أن يُيسّر للمسلمين والمسلمات حجّ بيته الحرام، وأن يحُطّ عنّا وعنهم المعاصي والآثام، وأن يحشرنا مع سيّد الأنام، حبيبنا وقرّة أعيننا محمّد عليه الصّلاة والسّلام، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك.


  

  

الخميس 13 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 08 ديسمبر 2011 13:57

- شرح الأصول الثّلاثة (14) معنى الكفر وموانع التّكفير (صوتي)

من سلسلة: شرح الأصول الثّلاثة

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

تحميل الدّرس مكتوبا

- شرح الأصول الثّلاثة (14) معنى الكفر وموانع التّكفير

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

قال رحمه الله:

وأنواعُ العبادةِ التي أَمَرَ اللهُ بها: مثلُ الإسلامِ، والإيمانِ، والإحسانِ؛ ومنهُ الدعاءُ، والخوفُ، والرجاءُ، والتوكلُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والخشوعُ، والخَشيةُ، والإنابةُ، والاستعانةُ، والاستعاذةُ، والاستغاثةُ، والذَّبْحُ، والنذرُ، وغيرُ ذلك من أنواع العبادةِ التي أَمرَ اللهُ بها كلُّها لله تعالى، والدليلُ قوله تعالى:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18].

فمَنْ صَرَفَ منها شيئًا لغير الله فهو مشرِكٌ كافرٌ، والدليلُ قوله تعالى:{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}[المؤمنون:117].

الشّرح:

قوله رحمه الله: ( وأنواعُ العبادةِ التي أَمَرَ اللهُ بها ): فإنّ المؤلّف رحمه الله لا يزال في تقرير الأصل الأوّل وهو معرفة الله عزّ وجلّ.

ومناسبة هذه الفقرة - وفيها بيان أنواع العبادة - لما قبلها - وهي معرفة الله تعالى - تظهر لنا من وجهين:

الأوّل: أنّ الأصل الأوّل معرفة الله تعالى يقتضي توحيده وإخلاص العبادة له، وإلاّ فالمشرك لم يعرف ربّه على الحقيقة، فناسب أن يذكر مظاهر العبادة الّتي يجب إفراد الله بها؛ ولذا كان بعد كلّ آية يتعرّف الله سبحانه فيها إلى خلقه يأمرهم بإخلاص العبادة له.

الثّاني: أنّه بعدما ذكر كلمة ابن كثير رحمه الله: ( الخالقُ لهٰذه الأشياءِ هو المستحقُّ للعبادةِ ) ناسب أن يذكر مظاهر هذه العبادة الّتي يستحقّها الله وحده.

وهذه الفقرة من الأهمّية بمكان؛ لما فيها من بيانٍ لبعض مظاهر العبادة، الّتي إذا صرف العبد منها شيئا لغير الله خرج عن ملّة الإسلام.

وهو لم يُرِد حصر هذه المظاهر، إنّما ذكر أهمّها وأشهرها، وإلاّ فقد سبق بيان معنى العبادة أنّها كلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظّاهرة والباطنة.

  • · قوله رحمه الله: ( الّتي أَمَرَ اللهُ بها ): إمّا على سبيل الإلزام فتشمل الواجبات، أو على سبيل التّرجيح فتشمل المستحبّات.
  • · قوله: ( مثلُ ): هذا ما يدلّ على أنّه لم يُرد الحصر، وإنّما أراد التّمثيل. 
  • · قوله: ( الإسلامِ، والإيمانِ، والإحسانِ ): هذه أعلى مراتب الدّين؛ لذلك بدأ المؤلّف رحمه الله بذكرها. وهذه المراتب سيأتي تفصيلها في تقرير الأصل الثّاني. 
  • · قوله: ( ومنهُ ): الضّمير يعود إمّا على ( مثل )، أو على ما ذُكر من الإسلام والإيمان والإحسان، كأنّه قال: ومن ذلك. 

ولو أعاده على العبادة لقال: ومنها. وهناك من الشرّاح من استشكل ذلك فحمله على أنّه خطأ من النّاسخ، وأنّ الصّواب: منها. 

  • · قوله: ( الدّعاءُ، والخوفُ، والرجاءُ، والتوكلُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والخشوعُ، والخَشيةُ، والإنابةُ، والاستعانةُ، والاستعاذةُ، والاستغاثةُ، والذَّبْحُ، والنّذرُ، وغيرُ ذلك من أنواع العبادةِ التي أَمرَ اللهُ بها كلُّها لله تعالى ): وسيأتي تفصيل القول فيها. 
  • · قوله: ( والدّليلُ قوله تعالى:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا}): سبق تفسير هذه الآية، وأنّ معنى الدّعاء هنا يشمل دعاء الطّلب والمسألة، ودعاء الثّناء والعبادة. وأنّ قوله ( أَحَداً ) نكرة في سياق النّفي فتعمّ.
  • · قوله: ( فمَنْ صَرَفَ منها شيئًا ): أي: من توجّه بشيء منها. ومنه الانصراف إلى الشّيء، أي: التوجّه إليه، وأصل الصّرف: الميلُ والعدل، ومنه قوله تعالى:{وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} أَي: مَعْدِلاً، وأطلق على التوجّه إلى الشّيء وقصده لأنّه مال إليه.
  • · قوله: ( لغيرِ الله ): ولو ملَكا مقرّبا، أو نبيّا مرسلا. 
  • · قوله: ( فهو مُشرِكٌ ): وقد سبق بيان معنى الشّرك.
  • · ( كافرٌ ): وأصل الكفر في كلام العرب: السّتر والتّغطية، ومنه قول العرب:" ليلة كفَرَ النُّجومَ غمامُها "، أي: سترها. ومنه سمّي اللّيل كافرا، لأنّه يغطّي كلّ شيء بسواده.

ومنه قوله تعالى:{كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20]، يعني: الزرّاع؛ لأنّهم يغطّون الحبّ، ومنه الكَفْر للقرية المليئة بالأشجار.

وله في القرآن الكريم معانٍ خمسة:

1- التّغطية، وهو المعنى اللّغويّ السّابق ذكره.

2- الكفر بالتّوحيد، وهو الغالب استعماله.

3- كفران الّنعمة والإحسان، ومنه قوله تعالى في البقرة:{وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [آية 152]، ولمّا كانت المعاصي كفرانا لنعمة الله تعالى على عبده سمّاها كفرا، كالطّعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والنّياحة، وقتال المؤمن.

4- التبرّؤ، ومنه قوله تعالى:{ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ} [العنكبوت: من 25]، أي: يتبرّأ بعضكم من بعض.

5- الجحود، ومنه قوله تعالى في البقرة:{فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} [آية 89].

أمّا الكفر اصطلاحا: فعرّفه ابن حزم رحمه الله بعبارة جامعة فقال:

" صفة من جحد شيئاً ممّا افترض الله تعالى الإيمانَ به بعد قيام الحجّة عليه ببلوغ الحقّ إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معاً، أو عمل عملاً جاء النصّ بأنّه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان "اهـ.

فيُفهَم من كلامه رحمه الله أنّه قد يكون تكذيباً في القلب، فهو مناقض لقول القلب، وهو التّصديق.

وقد يكون الكفر عملاً قلبياً كبغض الله تعالى، أو آياته، أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم؛ فهو يناقض الحبّ الإيماني، وهو أوكد أعمال القلوب وأهمّها.

وقد يكون قولاً ظاهراً يناقض قول اللّسان.

وتارة يكون عملاً ظاهراً: كالسّجود للصّنم، وإهانة شعائر الله.

الحاصل: أنّ الشّرك يُطلق على من آمن بالله تعالى وعبد غيره معه، والكافر يُطلق على من لا إيمان له أصلاً، أو له إيمان وأشرك بالله، فيكون الكفرُ أعمّ.

وأتى المؤلّف بما يدلّ على أنّ من صرف العبادة لغير الله فهو مشرك كافر، فقال:

  • · ( والدّليلُ قوله تعالىٰ:{وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ}): والدّعاء هنا معناه دعاء المسألة ودعاء العبادة كما سبق بيانه.
  • · {إِلَهًا آخَرَ}: وسمّاه إلها باعتبار عابده، وكلّ من دعا غير الله فقد اتّخذه إلها.
  • · {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}: هذه صفة كاشفة لازمة، المراد منها بيان الواقع الّذي عليه أهل الشّرك، فليس هناك أحدٌ يدعو من دون الله أحدا له عليه برهان، قال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} [الحجّ:71].

ومن الأمثلة على الصّفة الكاشفة قوله تعالى:{وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}، ومن المعلوم أنّ الطّائر لا يمكنه أن يطير إلاّ بجناحين، ومنه قولك للعاقّ: أطِع والدتك الّتي ولدتك، فهذا لا يعني أنّ هناك والدةً له لم تلده، وإنّما هو بيانٌ للواقع والحقيقة.

كما أنّ في الآية تنفيراً للنّفوس من الشّرك، وإيقاظ العقول لاتّباع البراهين، فكيف إذا كان البرهان على خلافه ؟!

  • · قوله: ({فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}: في هذا وعيد شديد وتسلية لدعاة التّوحيد.

أمّا الوعيد الشّديد فظاهر؛ إذ يُذكّره الله بيوم الحساب، وأنّه مسئول عن شركه أمام ربّه الّذي ربّاه ولم يربِّه أحدٌ سواه، وغمره بالإحسان ولم يحسن إليه أحد غيره.

وأمّا التّسلية؛ فبأنّ الله لا يؤاخذ الموحّدين باستمرار المشركين على الكفر، كقوله سبحانه:{إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاَغُ} [الشّورى:48].

وماذا بعد الحساب إلاّ النّجاة أو الخسران ؟ فقال:

  • · {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}: الضّمير يعود على الشّأن والحال، أي إنّ الحال: لا يفلِح الكافرون.

وهذا هو الشّاهد من ذكره للآية، أن يبيّن أنّ المشرك كافرٌ، فهو دعا مع الله إلها آخر، وسمّاه كافرا.

تنبيه مهمّ:

هذا الحكم خاصّ بالأفعال والأنواع، لا بالأشخاص والأعيان، وإلاّ احتاج تنزيل الحكم على المعيّن إلى: إقامة الحجّة وإزالة الشّبهة؛ لأنّ هناك موانع من التّكفير كالجهل، والخطأ، والإكراه، والتّأويل.

وإنّ التّكفير حقّ الله تبارك وتعالى، وليس من حقّ العباد، لذلك كان أمره معظّما، وفي الصّحيحين عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ ! فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا )).

فالمؤلّف رحمه الله تعالى يتحدّث عن التّكفير بالنّوع، لا عن التّكفير بالعين، وقد أخطأ في هذا الباب فريقان:

أ) فريق يستنكف عن وصف الفعل بالكفر والشّرك، وقد وصفه الله أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم بذلك.

ب) وفريق ينزّل التّكفير بالنّوع على الأعيان.

وهذا ما يجب أن نقف عنده، لكثرة ما يُوصف به الدّعاة إلى التّوحيد بتكفير الأعيان.

ومن الأدلّة على وجوب قيام الحجّة: بالعلم وإزالة الشّبهة:

1- قولُ الله تبارك وتعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة:115]، فقال:{حَتَّى يُبَيِّنَ} وهذا هو قيام الحجّة، لا مجرّد بلوغها.

2- قوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: من الآية15].

3- ما رواه مسلم عن أبي هريرَةَ رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قالَ: (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرَانِيٌّ، ثمَّ يموتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ )).

4- ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه عنْ النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالًا، فقالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي في يوْمٍ عَاصِفٍ. فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ اللهُ عزّ وجلّ، فقال: مَا حَمَلَكَ ؟ قال: مَخَافَتُكَ، فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ )).

5- ما رواه التّرمذي وأحمد عن أبِي واقِدٍ اللّيْثِيِّ رضي الله عنه أنّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ، مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلمُشْرِكِينَ يقالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فقالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجعَلْ لَنَا ذَاتَ أنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقالَ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( سُبْحَانَ اللهِ ! هَذَا كَمَا قَالَ قَومُ مُوسَى:{اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ )).

6- ما رواه أبو داود وغيره عن خزَيْمَةَ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه أنّ النّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ رَسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم المَشْيَ، وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الأَعْرَابِيَّ فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ وَلا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم ابْتَاعَهُ، فَقَامَ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الأَعْرَابِيِّ فقالَ: (( أَوْ لَيْسَ قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ ؟)) فقالَ الأَعْرَابِيُّ: لَا واللهِ مَا بِعْتُكَهُ ! فقالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( بَلَى، قَدْ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ )) فَطَفِقَ الأَعْرَابِيُّ يقولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا ! فقالَ خزَيْمَةُ بنُ ثابِتٍ رضي الله عنه: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم على خزَيْمَةَ، فقالَ: (( بِمَ تَشْهَدُ ؟)) فقالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ! فجَعَلَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ.

والنّصوص كثيرة من السنّة فيها وقوع بعض النّاس في الكفر، ولكنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يحكُم بوقوع الكفر عليهم.

  

 : 

الخميس 13 محرم 1433 هـ الموافق لـ: 08 ديسمبر 2011 12:09

- شرح الأصول الثّلاثة (14) معنى الكفر وموانع التّكفير

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

قال رحمه الله:

وأنواعُ العبادةِ التي أَمَرَ اللهُ بها: مثلُ الإسلامِ، والإيمانِ، والإحسانِ؛ ومنهُ الدعاءُ، والخوفُ، والرجاءُ، والتوكلُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والخشوعُ، والخَشيةُ، والإنابةُ، والاستعانةُ، والاستعاذةُ، والاستغاثةُ، والذَّبْحُ، والنذرُ، وغيرُ ذلك من أنواع العبادةِ التي أَمرَ اللهُ بها كلُّها لله تعالى، والدليلُ قوله تعالى:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18].

فمَنْ صَرَفَ منها شيئًا لغير الله فهو مشرِكٌ كافرٌ، والدليلُ قوله تعالى:{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}[المؤمنون:117].

الصفحة 143 من 254

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.