أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]

مختارات

- الغارة على الأسرة المسلمة (8) هكذا كوني ... أو لا تكوني

خطبة الجمعة ليوم 1 ربيع الثّاني 1425 هـ / 21 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فاليوم نضع رحالنا عند آخر محطّة من هذه السّلسلة المباركة في الحديث عن المرأة المسلمة، بعد أن رأينا أهمّ وسائل ثباتها، وأعظم ما تقاوم به أعداءها.

اليوم نودّعك أيّتها الأخت المسلمة بكلمات نزفّها إليك، تسبغ جلباب العزّة عليك:

إليك حملنا القلب خفّاقا *** وكسونا كلماتنا نورا وإشراقا 

نودّعك على أمل أن تكوني مرابطةً على ثغور الإسلام، مصابرة لأعداء الله اللّئام ..

ولنجعل موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله بعنوان:" المرأة الّتي نريد "، أو:" هكذا كوني .. أو لا تكوني"..

- الغارة على الأسرة المسلمة (7) حصـاد الإعـلام

يوم 18 ربيع الأوّل 1425 هـ/ 7 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

أيّها المؤمنون والمؤمنات.. فقد سبق أن ذكرنا أنّ الحديث عن المرأة المسلمة لا بدّ أن يطول ويطول، وأنّ الجميع لديه فيه ما يقول، كيف لا، وهي حامية البقاع، وحارسة القلاع ؟ كيف لا، وهي تتعرّض لغزو الكفرة بالعشيّ والإبكار، ومخطّطات الفجرة باللّيل والنّهار ؟ كيف لا نطيل الحديثَ عنها لتستمع إلينا قليلا، وقد استمعت إلى غيرنا زمنا طويلا ؟

ورأينا أن يكون موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله تعالى يتناول سلاحا من أعظم الأسلحة المدمّرة لبيوت المسلمين .. وسبيل من أخطر السّبل على قلوب المؤمنين .. سلاح تُستعْمر به العقول قبل الحقول .. وتُسلب به قلوب العباد قبل خيرات البلاد .. ضحيّته لا يعدّ شهيدا في سبيل الله، ولكن يعدّ طريدا من رحمة الله .. ذلكم هو " الإعـلام ".. وما أدراك ما الإعلام ؟!

هذا ما سنبيّنه بإذن الله تعالى في نقاط مهمّات:

- الغارة على الأسرة المسلمة (6) عمل المرأة: حلول وضوابط

خطبة الجمعة ليوم 4 ربيع الأوّل 1425هـ / 23 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا السّادس معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات للحديث عن موضوع المرأة المسلمة، وما يُكاد لها في وضح النّهار، وهو ما أردنا أن نسمّيه بـ" الغارة على المرأة المسلمة "..

رأينا تاريخ هذا الغزو، وبعض أساليبه، وكيف لنا أن نقاوم هذه الأساليب ؟ وكيف نحمي المرأة من هذه الألاعيب ؟ وكان آخر ما رأيناه هو الحديثَ عن شروط خروج المرأة المسلمة، سواء كان خروجها إلى المسجد، أو إلى غيره.

ولكنّ كثيرا من نسائنا يرون ضرورة الخروج إلى العمل، وهنّ أصناف في ذلك: من تخرج لتلبية رغباتها، أو تخرج لقضاء حاجاتها، أو تخرج لأنّها حُرمَت ممّن يغار عليها.

فرأينا أن يكون حديثنا اليوم إن شاء الله تعالى عبارةً عن ثلاثة نداءات: نداء إلى المرأة نفسها، ونداء إلى ولاة الأمور، ونداء يوجّه إلى الرّجل.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وأن لا تكون هذه النّداءات كصرخة في صحراء.

- الغارة على الأسرة المسلمة (5) فضائل الحجاب وشروط خروج المرأة

19 صفر 1425 هـ/ 9 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فإنّنا قد رأينا في خطبتنا الأخيرة أهمّ الأسلحة الّتي يقاوِم المسلمون بها المفسدين، وأعظم ما يوقِفُ زحف أدعياء التحرّر من الملحدين، ذلكم هو الحجاب، وما أدراك ما الحجاب ؟ شعارٌ للعفّة والثّواب، واستجابة للعزيز الوهّاب.

وإذا رأيت الهابطات فحوقلي *** وقفي على قمم الجبال وتحجبي 

وقد تبيّن لنا أنّ الحجاب ثلاثة أنواع: قرار في البيت، وحجاب أمام المحارم، وحجاب أمام الأجانب.

وقد تُضطرّ المرأة إلى الخروج كما سبق بيانه، وقد روى البخاري ومسلم عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ )).

فإذا خرجت فكيف تخرج ؟ فإنّ قرار المرأة في بيتها عزيمة، وإنّ خروجها رخصة، فلا بدّ أن تتوفّر شروط لخروجها، وكان أوّل ما رأيناه: التستّر والتحجّب، بالشّروط الّتي ذكرناها.

- الغارة على الأسرة المسلمة (1) المرأة بين الكرامة والمهانة

خطبة الجمعة ليوم 13 محرّم 1425 هـ الموافق ليوم 5 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] أمّا بعد:

فقد روى البخاري عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قالت النّساءُ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فوعدهنَّ يوماً لَقِيَهُنَّ فيه، فوعظهنّ، وأمرهنّ.

ومثله ما رواه البخاري ومسلم - واللّفظ له - عن جابرِ بنِ عبد اللهِ رضي الله عنهما قال: شهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الصّلاةَ يومَ العيدِ، فأمرَ بتقوَى اللهِ، وحثَّ على طاعتِهِ، ووعظَ النّاس وذكّرَهم، ثمّ مضى حتّى أتى النّساءَ، فوعظهنَّ، وذكّرهنَّ، فقال: (( تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ )) ... الحديث.

- الغارة على الأسرة المسلمة (2) تاريخ الغارة على المرأة

28 محرّم 1425 هـ/ 19 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد شرعنا معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات في خوض هيجاءَ ساخنة، وحربٍ طاحنة .. حربٍ ضدّ أدعياء التحرّر والتطوّر، الّذين يريدون إبعاد الدّين عن الحياة بما يفوق كلّ تصوّر .. حربٍ تستوي فيها الضحيّة والسّلاح، فالضحيّة فيها: المرأة المسلمة، والسّلاح فيها: المرأة المسلمة.

ونساؤنا أمام هذه الفتنة العمياء أصناف أربعة:

- الغارة على الأسرة المسلمة (3) كيف نصدّ هذه الغـارة ؟

5 صفر 1425هـ/ 26 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد رأينا معًا في لقائنا الأخير تاريخ المرأة القديم .. رأينا المرأة بين مخالب اللِّئام وتكريم الإسلام .. بين هوان الجاهليّة وعزّة الحنيفيّة .. ممّا يجعلنا ندرك جليّا أنّ ما يسعى إليه دعاة التحرّر ! هو في الحقيقة العودة إلى الجاهليّة الأولى.

يا دُرّةً، حُفِـظـت بالأمـس غاليـةً *** واليوم يبغونـها للّهـو واللّعـب

يا حُـرّةً، قد أرادوا جَعْـلَهـا أمـةً *** غربيّة العقل لكنّ اسمـها عربـي

هل يستـوي من رسـول الله قائـده *** دَوماً، وآخر هاديـه أبو لـهب

أين من كـانت الزّهـراء أُسـوتَـها *** ممّن تقفّت خُطـا حمّـالة الحطب

سَمَّـوا دعـارتهم: حـرّيـةً كـذباً *** باعوا الخلاعة باسم الفنّ والطّرب

هُمُ الذّئاب وأنت الشّـاة فاحترسـي *** من كلّ مفتـرسٍ للعرض مستلب

أختـاه، لستِ بنَبـتٍ لا جـذور له *** ولستِ مقطوعة مجهـولة النّسـب

- الغارة على الأسرة المسلمة (4) الحـجـاب

12 صفر 1425هـ / 2 أفريل 2004م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا الرّابع في هذه السّلسلة المباركة إن شاء الله، نحاول من خلالها الوقوف أمام غزو الغربيّين والمستغربين، وزحف الملحدين والمعاندين.

وكان آخر لقاءٍ معكم قد تضمّن الحديث عن تصحيح كثير من المفاهيم: مكانة المرأة في الإسلام، والمفهوم الصّحيح للعدل، والفوارق بين الرّجل والمرأة. وتبيّن لنا جليّا معنى قول المولى تبارك وتعالى:{وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ منْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [النساء:32]، فقد نهى الله جلّ جلاله عن مجرّد التمنّي، فكيف بمن أنكر الفوارق بين الرّجل والمرأة ؟!

وإنّ من أهمّ وأعظم وأكبر الفوارق بين الرّجل والمرأة الحـجـاب.. فمبنى المرأة على السّتر وأن تبقى في الخدور، ومبنى الرّجل على البدوّ والظّهور.

ولم تكن هذه القضيّة مثار جدل بين المسلمين على مدى العصور، إلاّ في منتصف القرن الرّابع عشر عند انحلال الدّولة الإسلاميّة إلى دويلات، وتحوّلها إلى لقيمات هزيلات.

فما معنى الحجاب ؟ وما أنواع الحجاب ؟

Previous
التالي

الثلاثاء 02 رمضان 1440 هـ الموافق لـ: 07 ماي 2019 00:53

- أحكام وآداب الصّيام (2) بيان معنى الصّيام وحقيقته

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

- بيان معنى الصّيام لغة وشرعا:

* أمّا الصّيام في لغة العرب، فإنّه يُطلق ويُراد به معنيان اثنان متلازمان: الاعتدال، والإمساك عن الشّيء.

تقول العرب:" صامت الرّيح " إذا امتنعت عن الهبوب واعتدلت، و" صام النّهار " إذا اعتدل، ومُصَامُ الشّمس هو استواؤها منتصف النّهار واعتدالها، و" صامت الدابّة " إذا امتنعت عن العلف، وقامت واعتدلت.

فكأنّ الذي يصوم الصّوم الشّرعيّ يكون معتدل المزاج، مستقيم الحال، متخلّصا من الأخلاط.

قال الرّاغب رحمه الله:

" الصّوم في الأصل: الإمساك عن الفعل مطعَماً كان، أو كلاما، أو مشياً؛ ولذلك قيل للفرس الممسِك عن السّير أو العلف: صائم ".

ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم:{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [ مريم من: 26]، أي: نذرت أن أمسك عن الكلام.

ومن خلال المعنى اللّغويّ ندركُ سرّ الصّيام، وأنّ حقيقته تقود بالعبد إلى الاعتدال.

* أمّا الصّيام شرعا: فهو الإمساك عن شهوتي الفرج والبطن، بنيّة، من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس.

وهذا التّعريف مستفادٌ من نصوص الوحي، حيث قال الله تبارك وتعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة:187].

- فالإمساك عن شهوة الفرج دلّ عليه مفهوم قولِه عزّ وجلّ:{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}.

- والإمساك عن شهوة البطن دلّ عليه مفهوم قوله تعالى:{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى ..}.

- والتّوقيت من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، دلّ عليه قوله تعالى:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}، ومفهوم قوله سبحانه:{لَيْلَةَ الصِّيَامِ}؛ فإنّ اللّيلة من غروب الشّمس إلى طلوع الفجر.

والآية الكريمة أطلقت الفجر، وبيّنت السنّة أنّ المراد: الفجر الصّادق، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

- أمّا النيّة فعليها دليلان:

دليل عامّ، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِيَّاتِ، وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى )).

ودليل خاص، وهو ما رواه أهل السّنن إلاّ ابن ماجه وأحمد والدّارمي عن حَفْصَةَ رضي الله عنها عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ )).

- حقيقة الصّيام:

فإنّ الله تبارك وتعالى قد نصّ على الحكمة من تشريع الصّيام، فقال عزّ وجلّ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

فالغرض من أمره عزّ وجلّ عبادَه بالإمساك عن المفطرات المباحة هو أن يبلغُوا مراتب البرّ، ومنازل التّقوى، وذلك من وجوه كثيرة، منها:

الوجه الأوّل: أنّ العبدَ يهجر ما أباحه الله تعالى له من الطيّبات، وهو يعلم أنّها ما حُرِّمت عليه إلاّ وقتا محدّدا، وزمنا وقيّدا، ومع ذلك تراه يتحرّز كلّ التحرّز من مخالفة أمر الله في ذلك.

فحينها يقف العاقل مع نفسه وقفة تدبّر وتأمّل: أوَ يُعقل أن أترك المباح الحلال، والعذب الزّلال، ثمّ أباشر المحرّمات من الكبائر والصّغائر ؟!

فسيكون جواب العاقل حتماً: فلأَن أهجر المعاصِي الّتي حرّمها الله في رمضان، وفي غير رمضان من باب أولى.

وهذا ما أشار إليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) [رواه البخاري].

و( الزّور ) يُطلَق على الكذب، ويطلق على ما هو أعمّ من الكذب، كقول الباطل، والعمل بمقتضاه، ومنه قوله جلّ وعلا:{وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ}، أي: لا يشهدون مجالس الباطل والمعاصي.

و( الجهْل ): أي: السّفه، لأنّ كلّ من فعل فِعلاً لا يُقرّه الشّرع فهو جاهل سفيه، ومنه قوله تعالى:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: من 63].

وفي دعاء الخروج من المنزل: (( اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ )) [رواه أبو داود].

ومن الجهل الإساءة إلى الآخرين، والتعرّض لحرمات المؤمنين، فليس المراد بالجهل هنا الّذي هو ضدّ العلم، فهذا - وإن كان مذموماً - إلاّ أنّه لا علاقة له بما يُبطل أجر الصّائم.

أمّا قوله صلّى الله عليه وسلّم: (( فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ ))، فهو لا مفهوم له، ولا يعنِي الحديث أنّ الله في حاجة لطاعة العباد، وهو القائل سبحانه:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15].

وإنّما معنى الحديث: أنّ من لم يدعْ قولَ الزّور والعمل به، والجهلَ، فالله جلّ وعلا غنيٌّ عن إمساكه عن الطّعام والشّراب؛ لأنّ حقيقة الصّوم هي: ترك المباح من الطيّبات، فكيف يواقع بعد ذلك المعاصي والمحرّمات ؟!

الوجه الثّاني: أنّ المسلم إذا قضى شهرا كاملا حريصا على الطّاعات، مجتنِبا المعاصي والسيّئات، فإنّه لن ينقضيَ الشّهر إلاّ وقد صار التّقوى له سجيّة، فيُرجَى أن يبقَى على ذلك بعد انقضاء شهر الصّيام. وهذا أمرٌ مُشَاهدٌ في كثير ممّن استقاموا في شهر الصّيام.

الوجه الثّالث: أنّ الصّوم جُنّة - كما سيأتي بيانه إن شاء الله في فضائل الصّيام -.

وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ )) [متّفق عليه]. والصّوم يُضيّق على الشّيطان مجراه، فيكسَل العبد عن كثير من السيّئات.

الوجه الرّابع: إنّ من بين أسباب الانحراف: فساد الوسط الّذي يعيش فيه المسلم.

فإذا جاء شهر الصّيام، حرَص عامّة المسلمين على الاستقامة والصّلاح، فيسهُل على العبد تحقيق التّقوى والحرص على الاستقامة.

والشّاهد من هذا كلِّه: أنّ الله تبارك وتعالى ما شرع الصّيامَ إلاّ لتحقيق العبوديّة والتّقوى، فيُذكر فلا يُنسَى، ويطاع فلا يُعصَى، ويُشكر فلا يُكفر.

قال الغزاليّ رحمه الله في " إحياء علوم الدّين " مبيِّناً حقيقةَ الصّوم:

" فهو كفّ الجوارح عن الآثام، وتمامُه بستّة أمور:

الأوّل: غضّ البصر، وكفُّه عن الاتّساع في النّظر إلى كلّ ما يُذمّ ويُكرَه، وإلى كلّ ما يشغَل القلبَ، ويُلهِي عن ذكر الله عزّ وجلّ ...

الثّاني: حفظ اللّسان عن الهذيان، والكذب، والغِيبة، والنّميمة، والفحش، والجفاء، والخصومة، والمراء، وإلزامُه السّكوتَ، وشغلُه بذكر الله سبحانه، وتلاوةِ القرآن، فهذا صوم اللّسان ...

الثّالث: كفُّ السّمع عن الإصغاء إلى كلّ مكروه؛ لأنّ كلّ ما حُرِّم قولُه حُرِّم الإصغاءُ إليه ...

الرّابع: كفُّ بقيّة الجوارح عن الآثام: من اليد، والرّجل، وعن المكاره، وكفّ البطن عن الشّبهات وقتَ الإفطار ... فلا معنى للصّوم - وهو الكفّ عن الطّعام الحلال - ثمّ الإفطار على الحرام ! فمثال هذا الصّائم مثالُ من يبنِي قصراً ويهدم مصراً !...

وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: (( كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صَوْمِهِ إِلاَّ الجُوعُ وَالعَطَشُ )).

فقيل: هو الّذي يُفطِر على الحرام، وقيل: هو الّذي يمسك عن الطّعام الحلال ويفطرُ على لحوم النّاس بالغيبة وهو حرام، وقيل: هو الّذي لا يحفظ جوارحَه عن الآثام.

الخامس: أن لا يستكثر من الطّعام الحلال وقتَ الإفطار، بحيث يمتلئ جوفُه ! فما مِن وِعاءٍ أبغضُ إلى الله عزّ وجلّ من بطن مليءٍ من حلال.

وكيف يُستفادُ من الصّوم قهرُ عدوِّ الله، وكسرُ الشّهوة، إذا تدارك الصّائم عند فطره ما فاته ضحوةَ نهارِه ؟! وربّما يزيد عليه في ألوان الطّعام ؟! حتّى استمرّت العادات بأن تدّخرَ جميعُ الأطعمة لرمضان، فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدّة أشهر!

ومعلومٌ أنّ مقصود الصّوم: الخَواء، وكسرُ الهوى، لتقوى النّفس على التّقوى ...

السّادس: أن يكون قلبُه بعد الإفطار معلّقاً مضطرباً بين الخوف والرّجاء؛ إذ ليس يدري أيُقبلُ صومُه فهو من المقرّبين، أو يُرَدّ عليه فهو من الممقوتين ؟ ولِيَكُنْ كذلك في آخرِ كلّ عبادة يفرغ منها ..." اهـ.

وقال ابن الجوزيّ رحمه الله في " التّبصِرة " (2/80):

" للصّوم آداب يجمعها: حفظُ الجوارح الظّاهرة، وحراسةُ الخواطر الباطنة، فينبغي أن يتلقّى رمضانَ بتوبةٍ صادقةٍ، وعزيمةٍ موافقةٍ، وينبغي تقديمُ النيّة ... ولا بّد من ملازمة الصّمت عن الكلام الفاحش، والغِيبة - فإنّه ما صام من ظلّ يأكل لحوم النّاس-، وكفُّ البصر عن النّظر إلى الحرام، ويلزمُ الحذر من تكرار النّظر إلى الحلال "اهـ.

وقال ابن القيّم رحمه الله في " الوابل الصيّب " (ص 43):

" والصّائم هو: الّذي صامت جوارحُه عن الآثام، ولسانُه عن الكذب والفُحش وقولِ الزّور، وبطنُه عن الطّعام والشّراب، وفرجُه عن الرّفث.

فإن تكلّم لم يتكلّم بما يجرح صومَه، وإن فعل لم يفعلْ ما يُفسِد صومَه، فيخرُجُ كلامه كلُّه نافعاً صالحاً.

وكذلك أعمالُه، فهي بمنزلة الرّائحة التي يشمّها من جالس حامِلَ المسك، كذلك من جالس الصّائمَ انتفع بمُجالستِه، وأَمِنَ فيها من الزّور والكذب والفجور والظّلم.

هذا هو الصّوم المشروعُ، لا مجرّد الإمساكِ عن الطّعام والشّراب ...فهكذا الآثامُ تقطَع ثوابَه وتُفسِد ثمرتَه، فتُصَيِّرُه بمنزلة من لم يصم " اهـ.

وهذه بعض الآثار عن سلف الأمّة الأبرار في بيان ذلك:

- روى ابن أبي شيبة عن (2/272) عن عُمَرَ بن الخطّاب رضي الله عنه قال: ( إذا صُمت فليصُم سمعُك، وبصرُك، ولسانُك عن الكذب والمأثَم، ودَعْ أذى الخادم، وليكُنْ عليك وقارٌ وسكينة يومَ صيامك، ولا تجعل يوم صيامك ويوم فطرك سواء ).

- وروى أيضا (2/271) عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: ( إذا صُمت فتحفَّظ ما استطعْتَ ).

- وأخرج ابن أبي الدّنيا في " كتاب الصّمت " (رقم 179) بسندٍ لا بأس به عن عَبِيدةَ السّلماني قال: ( اِتَّقُوا الْمُفطِّرَيْن: الغيبةَ والكَذِبَ ).

وهناك مرتبة الكمال والإحسان، وهي تفُوق كلّ ذلك: وهي ترك المحرّمات والسّيئات، والارتقاء بالقيام بالعِبادات والقُرُبات، ومن أجلِّها:

أ) الإكثار من تلاوة القرآن.

ب) والجود والكرم بالصّدقات على الفقراء والمساكين، في وجوه البرّ والإحسان.

ج) والحِرص على قيام اللّيل.

د) والإكثار من ذكر الله عزّ وجلّ بالثّناء والدّعاء.

هـ) العمرة، فهي تعدِل حجّة مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. 

والله الموفّق إلى طاعته، لا ربّ سواه. 

أخر تعديل في الثلاثاء 02 رمضان 1440 هـ الموافق لـ: 07 ماي 2019 11:12

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.