أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]

مختارات

- الغارة على الأسرة المسلمة (8) هكذا كوني ... أو لا تكوني

خطبة الجمعة ليوم 1 ربيع الثّاني 1425 هـ / 21 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فاليوم نضع رحالنا عند آخر محطّة من هذه السّلسلة المباركة في الحديث عن المرأة المسلمة، بعد أن رأينا أهمّ وسائل ثباتها، وأعظم ما تقاوم به أعداءها.

اليوم نودّعك أيّتها الأخت المسلمة بكلمات نزفّها إليك، تسبغ جلباب العزّة عليك:

إليك حملنا القلب خفّاقا *** وكسونا كلماتنا نورا وإشراقا 

نودّعك على أمل أن تكوني مرابطةً على ثغور الإسلام، مصابرة لأعداء الله اللّئام ..

ولنجعل موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله بعنوان:" المرأة الّتي نريد "، أو:" هكذا كوني .. أو لا تكوني"..

- الغارة على الأسرة المسلمة (7) حصـاد الإعـلام

يوم 18 ربيع الأوّل 1425 هـ/ 7 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

أيّها المؤمنون والمؤمنات.. فقد سبق أن ذكرنا أنّ الحديث عن المرأة المسلمة لا بدّ أن يطول ويطول، وأنّ الجميع لديه فيه ما يقول، كيف لا، وهي حامية البقاع، وحارسة القلاع ؟ كيف لا، وهي تتعرّض لغزو الكفرة بالعشيّ والإبكار، ومخطّطات الفجرة باللّيل والنّهار ؟ كيف لا نطيل الحديثَ عنها لتستمع إلينا قليلا، وقد استمعت إلى غيرنا زمنا طويلا ؟

ورأينا أن يكون موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله تعالى يتناول سلاحا من أعظم الأسلحة المدمّرة لبيوت المسلمين .. وسبيل من أخطر السّبل على قلوب المؤمنين .. سلاح تُستعْمر به العقول قبل الحقول .. وتُسلب به قلوب العباد قبل خيرات البلاد .. ضحيّته لا يعدّ شهيدا في سبيل الله، ولكن يعدّ طريدا من رحمة الله .. ذلكم هو " الإعـلام ".. وما أدراك ما الإعلام ؟!

هذا ما سنبيّنه بإذن الله تعالى في نقاط مهمّات:

- الغارة على الأسرة المسلمة (6) عمل المرأة: حلول وضوابط

خطبة الجمعة ليوم 4 ربيع الأوّل 1425هـ / 23 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا السّادس معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات للحديث عن موضوع المرأة المسلمة، وما يُكاد لها في وضح النّهار، وهو ما أردنا أن نسمّيه بـ" الغارة على المرأة المسلمة "..

رأينا تاريخ هذا الغزو، وبعض أساليبه، وكيف لنا أن نقاوم هذه الأساليب ؟ وكيف نحمي المرأة من هذه الألاعيب ؟ وكان آخر ما رأيناه هو الحديثَ عن شروط خروج المرأة المسلمة، سواء كان خروجها إلى المسجد، أو إلى غيره.

ولكنّ كثيرا من نسائنا يرون ضرورة الخروج إلى العمل، وهنّ أصناف في ذلك: من تخرج لتلبية رغباتها، أو تخرج لقضاء حاجاتها، أو تخرج لأنّها حُرمَت ممّن يغار عليها.

فرأينا أن يكون حديثنا اليوم إن شاء الله تعالى عبارةً عن ثلاثة نداءات: نداء إلى المرأة نفسها، ونداء إلى ولاة الأمور، ونداء يوجّه إلى الرّجل.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وأن لا تكون هذه النّداءات كصرخة في صحراء.

- الغارة على الأسرة المسلمة (5) فضائل الحجاب وشروط خروج المرأة

19 صفر 1425 هـ/ 9 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فإنّنا قد رأينا في خطبتنا الأخيرة أهمّ الأسلحة الّتي يقاوِم المسلمون بها المفسدين، وأعظم ما يوقِفُ زحف أدعياء التحرّر من الملحدين، ذلكم هو الحجاب، وما أدراك ما الحجاب ؟ شعارٌ للعفّة والثّواب، واستجابة للعزيز الوهّاب.

وإذا رأيت الهابطات فحوقلي *** وقفي على قمم الجبال وتحجبي 

وقد تبيّن لنا أنّ الحجاب ثلاثة أنواع: قرار في البيت، وحجاب أمام المحارم، وحجاب أمام الأجانب.

وقد تُضطرّ المرأة إلى الخروج كما سبق بيانه، وقد روى البخاري ومسلم عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ )).

فإذا خرجت فكيف تخرج ؟ فإنّ قرار المرأة في بيتها عزيمة، وإنّ خروجها رخصة، فلا بدّ أن تتوفّر شروط لخروجها، وكان أوّل ما رأيناه: التستّر والتحجّب، بالشّروط الّتي ذكرناها.

- الغارة على الأسرة المسلمة (1) المرأة بين الكرامة والمهانة

خطبة الجمعة ليوم 13 محرّم 1425 هـ الموافق ليوم 5 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] أمّا بعد:

فقد روى البخاري عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قالت النّساءُ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فوعدهنَّ يوماً لَقِيَهُنَّ فيه، فوعظهنّ، وأمرهنّ.

ومثله ما رواه البخاري ومسلم - واللّفظ له - عن جابرِ بنِ عبد اللهِ رضي الله عنهما قال: شهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الصّلاةَ يومَ العيدِ، فأمرَ بتقوَى اللهِ، وحثَّ على طاعتِهِ، ووعظَ النّاس وذكّرَهم، ثمّ مضى حتّى أتى النّساءَ، فوعظهنَّ، وذكّرهنَّ، فقال: (( تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ )) ... الحديث.

- الغارة على الأسرة المسلمة (2) تاريخ الغارة على المرأة

28 محرّم 1425 هـ/ 19 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد شرعنا معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات في خوض هيجاءَ ساخنة، وحربٍ طاحنة .. حربٍ ضدّ أدعياء التحرّر والتطوّر، الّذين يريدون إبعاد الدّين عن الحياة بما يفوق كلّ تصوّر .. حربٍ تستوي فيها الضحيّة والسّلاح، فالضحيّة فيها: المرأة المسلمة، والسّلاح فيها: المرأة المسلمة.

ونساؤنا أمام هذه الفتنة العمياء أصناف أربعة:

- الغارة على الأسرة المسلمة (3) كيف نصدّ هذه الغـارة ؟

5 صفر 1425هـ/ 26 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد رأينا معًا في لقائنا الأخير تاريخ المرأة القديم .. رأينا المرأة بين مخالب اللِّئام وتكريم الإسلام .. بين هوان الجاهليّة وعزّة الحنيفيّة .. ممّا يجعلنا ندرك جليّا أنّ ما يسعى إليه دعاة التحرّر ! هو في الحقيقة العودة إلى الجاهليّة الأولى.

يا دُرّةً، حُفِـظـت بالأمـس غاليـةً *** واليوم يبغونـها للّهـو واللّعـب

يا حُـرّةً، قد أرادوا جَعْـلَهـا أمـةً *** غربيّة العقل لكنّ اسمـها عربـي

هل يستـوي من رسـول الله قائـده *** دَوماً، وآخر هاديـه أبو لـهب

أين من كـانت الزّهـراء أُسـوتَـها *** ممّن تقفّت خُطـا حمّـالة الحطب

سَمَّـوا دعـارتهم: حـرّيـةً كـذباً *** باعوا الخلاعة باسم الفنّ والطّرب

هُمُ الذّئاب وأنت الشّـاة فاحترسـي *** من كلّ مفتـرسٍ للعرض مستلب

أختـاه، لستِ بنَبـتٍ لا جـذور له *** ولستِ مقطوعة مجهـولة النّسـب

- الغارة على الأسرة المسلمة (4) الحـجـاب

12 صفر 1425هـ / 2 أفريل 2004م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا الرّابع في هذه السّلسلة المباركة إن شاء الله، نحاول من خلالها الوقوف أمام غزو الغربيّين والمستغربين، وزحف الملحدين والمعاندين.

وكان آخر لقاءٍ معكم قد تضمّن الحديث عن تصحيح كثير من المفاهيم: مكانة المرأة في الإسلام، والمفهوم الصّحيح للعدل، والفوارق بين الرّجل والمرأة. وتبيّن لنا جليّا معنى قول المولى تبارك وتعالى:{وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ منْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [النساء:32]، فقد نهى الله جلّ جلاله عن مجرّد التمنّي، فكيف بمن أنكر الفوارق بين الرّجل والمرأة ؟!

وإنّ من أهمّ وأعظم وأكبر الفوارق بين الرّجل والمرأة الحـجـاب.. فمبنى المرأة على السّتر وأن تبقى في الخدور، ومبنى الرّجل على البدوّ والظّهور.

ولم تكن هذه القضيّة مثار جدل بين المسلمين على مدى العصور، إلاّ في منتصف القرن الرّابع عشر عند انحلال الدّولة الإسلاميّة إلى دويلات، وتحوّلها إلى لقيمات هزيلات.

فما معنى الحجاب ؟ وما أنواع الحجاب ؟

Previous
التالي

السبت 30 ربيع الأول 1432 هـ الموافق لـ: 05 مارس 2011 11:01

- الآداب الشّرعيّة (18) حقّ العلم تُجاه طالبه

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد روى الخطيب رحمه الله عن حمدان بن الأصبهاني قال:" كنت عند شريك، فأتاه بعضُ ولد المهديّ، فاستند إلى الحائط ! وسأل عن حديثٍ ! فلم يلتفت إليه، فأعاد عليه، فلم يلتفت إليه، فقال: كأنّك تستخفّ بأولاد الخليفة ؟ قال: لا، ولكنَّ العلمَ أزينُ عند أهله من أن يضيّعوه. قال: فجثا على ركبتيه، ثمّ سأل، فقال شريك: هكذا يُطلب العلم ". ["الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع "].

وقال الإمام أحمد رحمه الله:" أخذنا هذا العلم بالذلّ، فلا ندفعه إلاّ بالذل " [" سير أعلام النّبلاء " (11/231)].

والشّاهد: أنّ للعلم عند أهله صيانة، لما أولاه الله عزّ وجلّ من الشّرف والمكانة، فكان لا بدّ من إعطائه حقّه ومستحقّه ومن ذلك:

1- التّبكير لمجلس العلم:

فإنّ التّأخّر والتّقاعس عن التّبكير لمجلس العلم يدلّ على عدم توقير العلم، وعدم إجلاله. وقد أدرك ذلك الأوائل، فكانوا يحرصون على المجيء باكرا إلاّ من عذر.

وهذا ابن عبّاس رضي الله عنهما يغدو إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه، فينام عند عتبة بابه ! ينام في الظّهيرة وينام في السّحر، يريد أن يُرِيَ اللهَ منه الجدّ، ويُشهده على صدق رغبته في العلم.

وقيل للشّعبي رحمه الله: من أين لك كلّ هذا العلم ؟ قال:" بنفي الاغتمام، والسّير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب" ["سير أعلام النّبلاء" (4/300)].

2- الصّبر وتحمّل المشقّة في الطّلب:

فطلب العلم من معالي الأمور، والعُلَى لا تُنال إلاّ على جسر من التّعب، وطريق من النّصب. قال أبو تمام مخاطباً نفسه:

ذريني أنـالُ ما لا يُنال من العُـلى *** فصَعْبُ العلى في الصّعب والسَّهْلُ في السَّهل

تريـدين إدراك المعـالي رخيصـة *** ولا بـدّ دون الشّـهـد مـن إبَـر النّحل

وقال آخر :

دببت للمجد، والساعون قد بلغوا *** جُهد النفوس، وألقـوا دونـه الأُزرا

وكابدوا الـمجد حتى ملَّ أكثرُهُم *** وعانـق الـمجدَ من أوفى ومن صبرا

لا تحـسبنّ المجـد تمراً أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتـى تَلْـعَقَ الصَّـبِِرَا

فلا بدّ من الصّبر والمصابرة، ولئن كان الجهاد ساعةً من الدّهر، فصبر طالب العلم إلى نهاية العمر؛ قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

روى مسلم في صحيحه عن يحى بن أبي كثير رحمه الله قال:" لا يُنال العلم بالرّاحة ".

وكلّنا يحفظ حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، وقلّةٌ من يقرأ ما بين سطور ذلك الحديث العظيم.

- فترى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ( كَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا )، والله عزّ وجلّ قادرٌ على أن يرسِل جبريل عليه السّلام إلى الحبيب صلّى الله عليه وسلّم وهو في بيته، ولكنّه تعالى أراد أن نَفقه: أنّ العلم يُؤْتَى إليه ولا يأتي.

- وتأمّل قولها رضي الله عنها: (( فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ...)) فعل ذلك معه ثلاث مرّات.

قال العلماء: وكان بالإمكان أن يقول جبريل عليه السّلام للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أوّل مرّة:{إِقْرَأْ بِاسْمِ رِبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، ولكنّه غطّه ثلاث مرّات حتّى بلغ منه ما بلغ، حتّى يعلم طالب العلم أنّ العلم لا يُنال إلاّ بالتّعب والنّصب.

وكان إذا نزل الوحي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتفصّد عرقا في اليوم الشّديد البرد، وإذا كان على النّاقة جثت النّاقة، وأصاب عنقُها الأرضَ من شدّة ما يناله صلّى الله عليه وسلّم عند نزول الوحي.

- يدلّ على الأمر الأوّل ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ الحَارِثَ بنَ هشامٍ رضي الله عنه سَأَلَ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فقال:" يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ فقالَ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ )).

قالت عائشة رضي الله عنها:" وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا ".

- ويدلّ على الأمر الثّاني ما رواه أحمد عن عائشةَ رضي الله عنها أنّها قالت: إِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وهوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا الأرضَ. [والجران: هو مقدّم العنق].

- بل روى البخاري عن زيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه قال: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْلَى عَلَيْهِ:{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، قال: فَجَاءَهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ. وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللهُ تبارك وتعالى علَى رَسُولِهِ صلّى الله عليه وسلّم وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عزّ وجلّ:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}.

فالعلم ثقيل؛ لأنّه رسالة عظيمة تحتاج إلى جهاد قائم، وجِدٍّ دائم.

وإنّ جهابذة أهل العلم رحمهم الله لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه حتّى وثبوا إلى العلم وثبةَ الأسد، وفارقوا من أجله راحة النّفس والجسد، وذاقوا أنواع المعاناة والمشاقّ ما تعجز الأسطر عن وصفه، وضربوا في ذلك أروع الأمثلة مما لا تجده في علماء أمة من الأمم السابقة.

- قال أبو أحمد نصر بن أحمد العياضي الفقيه السمرقندي:" لا ينال هذا العلم إلاّ من عطّل دُكّانه، وخرّب بستانه ، وهجر إخوانه ، ومات أقرب أهله إليه فلم يشهد جنازته " ["الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع "].

قال الإمام بدر الدين بن جماعة معلّقاً:" وهذا كلّه -وإن كانت فيه مبالغة- فالمقصود به: أنّه لا بدّ فيه من جمع القلب، واجتماع الفكر..." ["تذكرة السامع والمتكلم" (1/36)].

- وقال صالح بن أحمد بن حنبل: رأى رجل مع أبي محبرةً ، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين ؟- يعني: ومعك المحبرة تحملها ؟!- فقال رحمه الله:" مع المحبرة إلى المقبرة " ["مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي (ص55).].

- وقال محمّد بن إسماعيل الصّائغ: كنت في إحدى سفراتي ببغداد، فمرّ بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يده، فأخذ أبي هكذا بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي ؟ إلى متى تعدو مع هؤلاء الصبيان ؟ قال: إلى الموت ["مناقب الإمام أحمد" (ص 32)].

- وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:" وقد كان البخاري يستيقظ في اللّيلة الواحدة من نومه، فيوقد السّراج، ويكتب الفائدة تمرّ بخاطره، ثمّ يطفئ سراجه، ثمّ يقوم مرّة أخرى وأخرى، حتّى كان يتعدّد منه ذلك قريباً من عشرين مرّة !" [" البداية والنّهاية " (11/25)، و"تذكرة الحفّاظ" (4/1219)].

- وهذا الحافظ محمّد بن فتوح الحميدي الأندلسي: كان ينسخ باللّيل في الحرّ، فكان يجلس في إجّانة ماء -وهي إناء يغسل فيه الثياب- يتبرّد به [" ترتيب المدارك " للقاضي عياض (1/130)].

وكانت هممهم العالية في طلب العلم تُعِينهم على الصّبر على الفقر، وشظف العيش ومرارته:

- قال الإمام الشّافعي رحمه الله:" لا يطلب أحدٌ العلم بالملك وعزِّ النّفس فيفلح، ولكن من طلبه ببذل النّفس، وضيق العيش، وخدمة العلماء أفلح " [مقدّمة "المجموع" للنّووي (1/64)].

- وهذا ابن القاسم رحمه الله يقول عن شيخه إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله:" أفضى بمالكٍ طلبُ العلم إلى أن نَقَضَ سقف بيته، فباع خشبه !" [" ترتيب المدارك "].

- وقال عمرُ بن حفص رحمه الله: إنّهم فقدوا البخاريَّ أيّاماً من كتابة الحديث بالبصرة، قال: فطلبناه، فوجدناه في بيته وهو عريان، وقد نفد ما عنده ، ولم يبق معه شيء ، فاجتمعنا، وجمعنا له الدّراهم حتّى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثمّ اندفع معنا في كتابة الحديث" [" تاريخ بغداد " للخطيب (2/13)].

- وهذا إمام الشّافعية في زمانه، أبو إسحاق الشّيرازي رحمه الله صاحب "المهذّب في الفقه الشافعي"، اّلذي أشبعه العلماء شرحاً وتحقيقاً، وتخريجاً وتدقيقا، كان لا يملك شيئاً من الدنيا، فبلغ به الفقر مبلغه، حتّى كان لا يجد قوتاً ولا ملبساً، ولقد كان يأتيه طلبة العلم في سكنه، فيقوم لهم نصف قومة ! ليس يعتدل قائماً من العري، كي لا يظهر منه شيء ! ["طبقات الشافعية" للسبكي (3/90)].

- وهذا الإمام الواعظ ابن الجوزي يقول عن نفسه:" ولم أقنع بفنٍّ واحد، بل كنت أسمع الفقه والحديث، وأَتْبَعُ الزهّاد، ثمّ قرأت اللّغة، ولم أترك أحداً ممّن يروي ويعظ، ولا غريباً يَقْدُم إلا وأحضره، وأتخيّر الفضائل، ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث، فينقطع نَفَسي من العدْوِ لئلاّ أُسبق، وكنت أصبح وليس لي مأكل، وأُمسي وليس لي مأكل، ما أذلّني الله لمخلوق قط، ولو شرحت أحوالي لطال الشّرح ".

والصّور المشرقة من هذا النّوع في حياة علمائنا كثيرة.

إنّ عامّة النّاس ليعجبُون من هذه الصّور والأمثلة الصادقة الّتي تدلّ على علوّ همّة أصحابها، فيتأثرون بها، فأحرى أن يؤثّر ذلك في طلبة العلم، والدّعاة، والمربّين.

وبقيّة الآداب في حقّ العلم نفسِه نراها لاحقا إن شاء الله.

أخر تعديل في السبت 30 ربيع الأول 1432 هـ الموافق لـ: 05 مارس 2011 11:03

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.