أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]

مختارات

- الغارة على الأسرة المسلمة (8) هكذا كوني ... أو لا تكوني

خطبة الجمعة ليوم 1 ربيع الثّاني 1425 هـ / 21 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فاليوم نضع رحالنا عند آخر محطّة من هذه السّلسلة المباركة في الحديث عن المرأة المسلمة، بعد أن رأينا أهمّ وسائل ثباتها، وأعظم ما تقاوم به أعداءها.

اليوم نودّعك أيّتها الأخت المسلمة بكلمات نزفّها إليك، تسبغ جلباب العزّة عليك:

إليك حملنا القلب خفّاقا *** وكسونا كلماتنا نورا وإشراقا 

نودّعك على أمل أن تكوني مرابطةً على ثغور الإسلام، مصابرة لأعداء الله اللّئام ..

ولنجعل موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله بعنوان:" المرأة الّتي نريد "، أو:" هكذا كوني .. أو لا تكوني"..

- الغارة على الأسرة المسلمة (7) حصـاد الإعـلام

يوم 18 ربيع الأوّل 1425 هـ/ 7 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

أيّها المؤمنون والمؤمنات.. فقد سبق أن ذكرنا أنّ الحديث عن المرأة المسلمة لا بدّ أن يطول ويطول، وأنّ الجميع لديه فيه ما يقول، كيف لا، وهي حامية البقاع، وحارسة القلاع ؟ كيف لا، وهي تتعرّض لغزو الكفرة بالعشيّ والإبكار، ومخطّطات الفجرة باللّيل والنّهار ؟ كيف لا نطيل الحديثَ عنها لتستمع إلينا قليلا، وقد استمعت إلى غيرنا زمنا طويلا ؟

ورأينا أن يكون موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله تعالى يتناول سلاحا من أعظم الأسلحة المدمّرة لبيوت المسلمين .. وسبيل من أخطر السّبل على قلوب المؤمنين .. سلاح تُستعْمر به العقول قبل الحقول .. وتُسلب به قلوب العباد قبل خيرات البلاد .. ضحيّته لا يعدّ شهيدا في سبيل الله، ولكن يعدّ طريدا من رحمة الله .. ذلكم هو " الإعـلام ".. وما أدراك ما الإعلام ؟!

هذا ما سنبيّنه بإذن الله تعالى في نقاط مهمّات:

- الغارة على الأسرة المسلمة (6) عمل المرأة: حلول وضوابط

خطبة الجمعة ليوم 4 ربيع الأوّل 1425هـ / 23 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا السّادس معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات للحديث عن موضوع المرأة المسلمة، وما يُكاد لها في وضح النّهار، وهو ما أردنا أن نسمّيه بـ" الغارة على المرأة المسلمة "..

رأينا تاريخ هذا الغزو، وبعض أساليبه، وكيف لنا أن نقاوم هذه الأساليب ؟ وكيف نحمي المرأة من هذه الألاعيب ؟ وكان آخر ما رأيناه هو الحديثَ عن شروط خروج المرأة المسلمة، سواء كان خروجها إلى المسجد، أو إلى غيره.

ولكنّ كثيرا من نسائنا يرون ضرورة الخروج إلى العمل، وهنّ أصناف في ذلك: من تخرج لتلبية رغباتها، أو تخرج لقضاء حاجاتها، أو تخرج لأنّها حُرمَت ممّن يغار عليها.

فرأينا أن يكون حديثنا اليوم إن شاء الله تعالى عبارةً عن ثلاثة نداءات: نداء إلى المرأة نفسها، ونداء إلى ولاة الأمور، ونداء يوجّه إلى الرّجل.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وأن لا تكون هذه النّداءات كصرخة في صحراء.

- الغارة على الأسرة المسلمة (5) فضائل الحجاب وشروط خروج المرأة

19 صفر 1425 هـ/ 9 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فإنّنا قد رأينا في خطبتنا الأخيرة أهمّ الأسلحة الّتي يقاوِم المسلمون بها المفسدين، وأعظم ما يوقِفُ زحف أدعياء التحرّر من الملحدين، ذلكم هو الحجاب، وما أدراك ما الحجاب ؟ شعارٌ للعفّة والثّواب، واستجابة للعزيز الوهّاب.

وإذا رأيت الهابطات فحوقلي *** وقفي على قمم الجبال وتحجبي 

وقد تبيّن لنا أنّ الحجاب ثلاثة أنواع: قرار في البيت، وحجاب أمام المحارم، وحجاب أمام الأجانب.

وقد تُضطرّ المرأة إلى الخروج كما سبق بيانه، وقد روى البخاري ومسلم عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ )).

فإذا خرجت فكيف تخرج ؟ فإنّ قرار المرأة في بيتها عزيمة، وإنّ خروجها رخصة، فلا بدّ أن تتوفّر شروط لخروجها، وكان أوّل ما رأيناه: التستّر والتحجّب، بالشّروط الّتي ذكرناها.

- الغارة على الأسرة المسلمة (1) المرأة بين الكرامة والمهانة

خطبة الجمعة ليوم 13 محرّم 1425 هـ الموافق ليوم 5 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] أمّا بعد:

فقد روى البخاري عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قالت النّساءُ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فوعدهنَّ يوماً لَقِيَهُنَّ فيه، فوعظهنّ، وأمرهنّ.

ومثله ما رواه البخاري ومسلم - واللّفظ له - عن جابرِ بنِ عبد اللهِ رضي الله عنهما قال: شهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الصّلاةَ يومَ العيدِ، فأمرَ بتقوَى اللهِ، وحثَّ على طاعتِهِ، ووعظَ النّاس وذكّرَهم، ثمّ مضى حتّى أتى النّساءَ، فوعظهنَّ، وذكّرهنَّ، فقال: (( تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ )) ... الحديث.

- الغارة على الأسرة المسلمة (2) تاريخ الغارة على المرأة

28 محرّم 1425 هـ/ 19 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد شرعنا معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات في خوض هيجاءَ ساخنة، وحربٍ طاحنة .. حربٍ ضدّ أدعياء التحرّر والتطوّر، الّذين يريدون إبعاد الدّين عن الحياة بما يفوق كلّ تصوّر .. حربٍ تستوي فيها الضحيّة والسّلاح، فالضحيّة فيها: المرأة المسلمة، والسّلاح فيها: المرأة المسلمة.

ونساؤنا أمام هذه الفتنة العمياء أصناف أربعة:

- الغارة على الأسرة المسلمة (3) كيف نصدّ هذه الغـارة ؟

5 صفر 1425هـ/ 26 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد رأينا معًا في لقائنا الأخير تاريخ المرأة القديم .. رأينا المرأة بين مخالب اللِّئام وتكريم الإسلام .. بين هوان الجاهليّة وعزّة الحنيفيّة .. ممّا يجعلنا ندرك جليّا أنّ ما يسعى إليه دعاة التحرّر ! هو في الحقيقة العودة إلى الجاهليّة الأولى.

يا دُرّةً، حُفِـظـت بالأمـس غاليـةً *** واليوم يبغونـها للّهـو واللّعـب

يا حُـرّةً، قد أرادوا جَعْـلَهـا أمـةً *** غربيّة العقل لكنّ اسمـها عربـي

هل يستـوي من رسـول الله قائـده *** دَوماً، وآخر هاديـه أبو لـهب

أين من كـانت الزّهـراء أُسـوتَـها *** ممّن تقفّت خُطـا حمّـالة الحطب

سَمَّـوا دعـارتهم: حـرّيـةً كـذباً *** باعوا الخلاعة باسم الفنّ والطّرب

هُمُ الذّئاب وأنت الشّـاة فاحترسـي *** من كلّ مفتـرسٍ للعرض مستلب

أختـاه، لستِ بنَبـتٍ لا جـذور له *** ولستِ مقطوعة مجهـولة النّسـب

- الغارة على الأسرة المسلمة (4) الحـجـاب

12 صفر 1425هـ / 2 أفريل 2004م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا الرّابع في هذه السّلسلة المباركة إن شاء الله، نحاول من خلالها الوقوف أمام غزو الغربيّين والمستغربين، وزحف الملحدين والمعاندين.

وكان آخر لقاءٍ معكم قد تضمّن الحديث عن تصحيح كثير من المفاهيم: مكانة المرأة في الإسلام، والمفهوم الصّحيح للعدل، والفوارق بين الرّجل والمرأة. وتبيّن لنا جليّا معنى قول المولى تبارك وتعالى:{وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ منْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [النساء:32]، فقد نهى الله جلّ جلاله عن مجرّد التمنّي، فكيف بمن أنكر الفوارق بين الرّجل والمرأة ؟!

وإنّ من أهمّ وأعظم وأكبر الفوارق بين الرّجل والمرأة الحـجـاب.. فمبنى المرأة على السّتر وأن تبقى في الخدور، ومبنى الرّجل على البدوّ والظّهور.

ولم تكن هذه القضيّة مثار جدل بين المسلمين على مدى العصور، إلاّ في منتصف القرن الرّابع عشر عند انحلال الدّولة الإسلاميّة إلى دويلات، وتحوّلها إلى لقيمات هزيلات.

فما معنى الحجاب ؟ وما أنواع الحجاب ؟

Previous
التالي

الخميس 12 ربيع الثاني 1432 هـ الموافق لـ: 17 مارس 2011 12:48

- الآداب الشّرعيّة (19) الإقبال على العلم وحفظه

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد رأينا من حقّ العلم على طالبه السّعي بهمّة عالية إليه، وتحمّل المشاقّ والصِّعاب للإقبال عليه؛ ذلك لأنّ العلم من أشرف المقامات، وأجلّ العبادات، وصدق أبو الطيّب حين قال:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظُم في عين الصّغير صغارُها *** وتصغر في عين العظيم العظائم

وممّا يدلّ على إدراك السّلف لعزّة العلم، وأنّه لا بدّ من إذلال النّفس لنيل بعضه، والنّزول على أرضه: رحلاتهم في طلب العلم.

تلك الرّحلات الّتي يعجز قلم الأديب عن وصفها، ولسان الخطيب عن نعتها، إلاّ الخطيب البغداديّ رحمه الله الّذي ألّف كتابه الجامع النّافع، ومصنّفه الحافل الماتع:" الرّحلة في طلب الحديث "، إذا ما طالعته علمت أنّ طلب العلم لا يجتمع والإخلاد إلى الرّاحة، وأنّه لا ينال الغنيمة إلاّ من شهد السّاحة.

رحلت أطلب أصل العلم مجتهدا *** وزينة المرء في الدّنيا الأحاديث

لا يطلبُ العلمَ إلاّ بـازل ذكر *** وليس يُبغضـه إلاّ المخانيـث

لا تعجبنّ بمـالٍ سـوف تتركه *** فإنّما هـذه الدنيـا مواريـث

فالعلم أشرف ما اجتمعت عليه القلوب، وقد وصف الله الوحي وهو تاج العلوم بقوله:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}، فالعلم ثقيل، ويحتاج إلى عزيمة، وقوّة، وصبر، وجلد، وجمع البال له، لذلك قال موسى عليه السّلام:{ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26)}. فالأمر جدّ عظيم، والتّناوم والتّكاسل والخمول لا يليق بالمتعلّم، والمحروم من حرمه الله.

فنحيل القارئ الكريم إلى كتاب الخطيب، فقد قطعت جهيزة قول كلّ خطيب.

ومن الآداب أيضا:

3- الإقبال على العلم: ومن مظاهر ذلك:

- الشّغف بالعلم: بأن تنطلق إلى رياض الجنّة، تنافس إخوانك، وتسابق خلاّنك، فلا تسأم وأنت في مجلس العلم، ولا تملّ ولا تفتر.

فأوّل علامات التّوفيق أن ينطلق المسلم إلى حلقات العلم وقلبُه يشتعل شوقا لهذا الخير، فينفتح قلبه وقالبه لماء الوحي، حتّى إذا نزل ذلك الماء على القلب، كان كالغيث الطّيب في الأرض الطيّبة، وما من مسلم يقبل على تلقّي العلم بشغف إلاّ نفعه الله به.

- ثمّ عليك بحسن الإنصات والاهتمام: فمن حقّ العلم أن نفتح له قلوبَنا وأسماعَنا، وأن نتذكّر أنّ هذه الآذان تتشرّف وتُكرَم بسماع كلام الله تعالى، وحديث رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

ولذلك كانت أوّل وصيّة من الله عزّ وجلّ لنبيّه موسى عليه السّلام:{إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)} [طه].

إنّه أدب المجلس {اِخْلَعْ نَعْلَيْكَ} .. وأدب الحديث {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} .. فالله يُعلّمنا في هذا الخطاب أنّ الإنصات - وهو الاستماع بتأمّل - من حقوق مجالس العلم.

وانظر إلى حال مؤمني الجنّ وهم بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وصفهم المولى عزّ وجلّ بقوله:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا}.

(أنصتوا): وصيّة يوصي بها بعضهم بعضا، فلمّا تأدّبوا في مجلس العلم، نفعهم الله به.

وقد حكى الشّيخ محمّد المختار الشّنقيطي حفظه الله قال:" وإنّي أعرف من طلاّب العلم ممّن صحبناهم، وبعضهم قد مات وتُوُفّي - رحمة الله عليهم - كان من كبار السّنّ، وجدنا فيهم من الإقبال على العلم العجب العجاب ... كنّا في مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نجلس بين يدي الوالد ونقرأ الحديث، فربّما وقع شيء في المسجد، فتلتفت الأنظار هنا وهناك، وهم وجوههم لا تنصرف عمّن يتعلّمون منه، ولا يمكن أن تجد الواحد يلتفت يمنة أو يسرة ... إنّما تراه مقبلا على الشّيخ أو مطأطئا رأسه في كتابه أو صحيفته ... وهذا من أبلغ ما يكون من الكمال في طلب العلم ".

وهكذا كان إقبال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا جلسوا أطرقوا كأنّ على رؤوسهم الطّير، وفي حديث سهيل بن عمرو يوم الحُديبية أنّه قال يصف حال أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهم بين يديه:" وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ".

وفي الحكمة: ( أعط العلم كلّك يُعطِك بعضه )، فكيف إذا أعطاه الإنسان بعضه ؟

ومن مظاهر الإقبال على العلم بشغف ونهم الأدب الرّابع:

4- حفظ العلم:

فإنّ حفظ العلم من أجلّ القربات، ومن أنفع وسائل الثّبات، وقد جعل الله من خصائص هذه الأمّة أنّ علمها محفوظ، فضمن الله تعالى لكتابه بالحفظ دون سائر الكتب، حيث قال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، بخلاف غيره من الكتب فقد وكل حفظها إلى الأحبار، قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ}.

وهذه أعظم منّة على هذه الأمّة، أن يعتني الله تعالى بحفظ كتابها ومصدر علومها، ولكن إذا أراد الله شيئا جعل له أسبابه، وأعظم سبب لحفظ الوحي هو:

- الصّدور قبل السّطور، قال تعالى:{ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ}.

- ثمّ حفظه بحفظ شرحه وبيانه، حيث حَفِظ الله سنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم من الضّياع.

- وتصفيتها ممّا دخل فيها من كذب وخطأ، يوم سخّر لهذه الأمّة سلفها الذين ما تركوا شاردة ولا واردة إلاّ حفظوها ونقلوها كما حفظوها، ليبيّنوا كلام ومراد الله عزّ وجلّ.

فالحفظ من النّعم التي أنعم الله تعالى بها على العباد، وهو من أعظم ما يُتقرّب إلى الله به، وقد جاء في السنّة ما يدلّ على الأمر به والتّرغيب فيه، من ذلك:

- ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عبّاس قال: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

(( مَنْ الْقَوْمُ ؟- أَوْ مَنْ الْوَفْدُ ؟ )) قَالُوا: رَبِيعَةُ.

قَالَ: (( مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى )). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ.

وَسَأَلُوهُ عَنْ الْأَشْرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (( شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ )).

وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ الْحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ -وَقَالَ: (( احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ))[1].

والحديث أخرجه البخاري في "كتاب العلم" قال:" باب تحريض النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على حفظ العلم ".

- وروى البخاري ومسلم عن سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه في قصّة المرأة الواهبة نفسها، حين خطبها أحد الصّحابة وعجز عن مهرها، قال له صلّى الله عليه وسلّم: (( مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ؟)) قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّهَا. قَالَ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ )). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: (( اذْهَبْ، فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ )).

فكان حفظ هذا الصّحابيّ للقرآن سببا لتيسير زواجه.

- وروى مسلم عن أبي الدّرْداءِ رضي الله عنه أنّ النّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ )).

- وكان جبريل عليه السّلام يراجع القرآن مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلّ عام مرّة، وفي العام الّذي تُوُفّي فيه عرضه عليه مرّتين.

- وكان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يهتمّون بحفظ الأحاديث، لأنّهم يعلمون أنّ أوّل العلم حفظه؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قال صلّى الله عليه وسلّم: (( ابْسُطْ رِدَاءَكَ !)).قال: فَبَسَطْتُهُ، قال: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (( ضُمَّهُ ))، فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.

سأل مُهنّا الإمام أحمد رحمه الله: ما الحفظ ؟ قال: الإتقان هو الحفظ. وقال ابن المبارك رحمه الله: الحفظ الإتقان.

فطالب العلم بلا حفظ لا يكون مُتقِناً أبدا.

قال الخليل بن أحمد رحمه الله وهو يبيّن أهمّية الحفظ:" الاحتفاظ بما في صدرك أولى من درس ما في كتابك، واجعل كتابك رأس مالك، وما في صدرك للنّفقة ".

وقال عبد الرزاق رحمه الله:" كلّ علم لا يدخل مع صاحبه الحمّام فليس بعلم ".

وقال هبة الله البغدادي رحمه الله:

علمـي معـي أينما هِـمْتُ يتبعـني *** بطـني وعـاء له، لا بطـن صنـدوق

إن كنت في البيت كـان العلم معـي *** أو كنت في السّوق كان العلم في السّوق

وقال عبيد الله الصّيرفي رحمه الله:

ليس بعلمٍ ما حوى القمطر *** ما العلم إلاّ ما حواه الصّدر

وقال ابن شبيب الأزدي رحمه الله:

أأشهـد بالجهـل في مجلس *** وعلمي في البيت مستـودع

إذا لم تكن حافـظا واعـيا *** فجـمعك للكتب لا ينفـع

وصدقوا رحمهم الله، لأنّ أهمّ فائدة للحفظ أن يكون العلم معك، في التّعليم، في الدّعوة، في التأثير خاصّة، وغير ذلك، فكما يؤثّر فيك الحافظ، عليك أن تؤثّر كذلك.

والحفظ من معالي الأمور، مرتقى صعب، شأنه شأن كلّ أمر ذي بال، وقد حفّت الجنّة بالمكاره.

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:" ما رأيت أصعب على النّفس من الحفظ للعلم والتكرار له.."، وقد فسّر ذلك أنّه مدعاة إلى الملل، لأنّ حفظ الشّيء والتّكرار له تملّه النّفس، بخلاف دراسة الجديد، فالنّفس دائما في تجديد.

والله الموفّق لا ربّ سواه.



[1] (الحنتم): إناء من شعر وطين، و(الدباء) إناء من القرع، و(النّقير) إناء من جذع الشّجر، و(المزفّت) إناء يطلى بالزّفت.

أخر تعديل في الخميس 12 ربيع الثاني 1432 هـ الموافق لـ: 17 مارس 2011 12:58

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.