أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]

مختارات

- الغارة على الأسرة المسلمة (8) هكذا كوني ... أو لا تكوني

خطبة الجمعة ليوم 1 ربيع الثّاني 1425 هـ / 21 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فاليوم نضع رحالنا عند آخر محطّة من هذه السّلسلة المباركة في الحديث عن المرأة المسلمة، بعد أن رأينا أهمّ وسائل ثباتها، وأعظم ما تقاوم به أعداءها.

اليوم نودّعك أيّتها الأخت المسلمة بكلمات نزفّها إليك، تسبغ جلباب العزّة عليك:

إليك حملنا القلب خفّاقا *** وكسونا كلماتنا نورا وإشراقا 

نودّعك على أمل أن تكوني مرابطةً على ثغور الإسلام، مصابرة لأعداء الله اللّئام ..

ولنجعل موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله بعنوان:" المرأة الّتي نريد "، أو:" هكذا كوني .. أو لا تكوني"..

- الغارة على الأسرة المسلمة (7) حصـاد الإعـلام

يوم 18 ربيع الأوّل 1425 هـ/ 7 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

أيّها المؤمنون والمؤمنات.. فقد سبق أن ذكرنا أنّ الحديث عن المرأة المسلمة لا بدّ أن يطول ويطول، وأنّ الجميع لديه فيه ما يقول، كيف لا، وهي حامية البقاع، وحارسة القلاع ؟ كيف لا، وهي تتعرّض لغزو الكفرة بالعشيّ والإبكار، ومخطّطات الفجرة باللّيل والنّهار ؟ كيف لا نطيل الحديثَ عنها لتستمع إلينا قليلا، وقد استمعت إلى غيرنا زمنا طويلا ؟

ورأينا أن يكون موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله تعالى يتناول سلاحا من أعظم الأسلحة المدمّرة لبيوت المسلمين .. وسبيل من أخطر السّبل على قلوب المؤمنين .. سلاح تُستعْمر به العقول قبل الحقول .. وتُسلب به قلوب العباد قبل خيرات البلاد .. ضحيّته لا يعدّ شهيدا في سبيل الله، ولكن يعدّ طريدا من رحمة الله .. ذلكم هو " الإعـلام ".. وما أدراك ما الإعلام ؟!

هذا ما سنبيّنه بإذن الله تعالى في نقاط مهمّات:

- الغارة على الأسرة المسلمة (6) عمل المرأة: حلول وضوابط

خطبة الجمعة ليوم 4 ربيع الأوّل 1425هـ / 23 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا السّادس معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات للحديث عن موضوع المرأة المسلمة، وما يُكاد لها في وضح النّهار، وهو ما أردنا أن نسمّيه بـ" الغارة على المرأة المسلمة "..

رأينا تاريخ هذا الغزو، وبعض أساليبه، وكيف لنا أن نقاوم هذه الأساليب ؟ وكيف نحمي المرأة من هذه الألاعيب ؟ وكان آخر ما رأيناه هو الحديثَ عن شروط خروج المرأة المسلمة، سواء كان خروجها إلى المسجد، أو إلى غيره.

ولكنّ كثيرا من نسائنا يرون ضرورة الخروج إلى العمل، وهنّ أصناف في ذلك: من تخرج لتلبية رغباتها، أو تخرج لقضاء حاجاتها، أو تخرج لأنّها حُرمَت ممّن يغار عليها.

فرأينا أن يكون حديثنا اليوم إن شاء الله تعالى عبارةً عن ثلاثة نداءات: نداء إلى المرأة نفسها، ونداء إلى ولاة الأمور، ونداء يوجّه إلى الرّجل.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وأن لا تكون هذه النّداءات كصرخة في صحراء.

- الغارة على الأسرة المسلمة (5) فضائل الحجاب وشروط خروج المرأة

19 صفر 1425 هـ/ 9 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فإنّنا قد رأينا في خطبتنا الأخيرة أهمّ الأسلحة الّتي يقاوِم المسلمون بها المفسدين، وأعظم ما يوقِفُ زحف أدعياء التحرّر من الملحدين، ذلكم هو الحجاب، وما أدراك ما الحجاب ؟ شعارٌ للعفّة والثّواب، واستجابة للعزيز الوهّاب.

وإذا رأيت الهابطات فحوقلي *** وقفي على قمم الجبال وتحجبي 

وقد تبيّن لنا أنّ الحجاب ثلاثة أنواع: قرار في البيت، وحجاب أمام المحارم، وحجاب أمام الأجانب.

وقد تُضطرّ المرأة إلى الخروج كما سبق بيانه، وقد روى البخاري ومسلم عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ )).

فإذا خرجت فكيف تخرج ؟ فإنّ قرار المرأة في بيتها عزيمة، وإنّ خروجها رخصة، فلا بدّ أن تتوفّر شروط لخروجها، وكان أوّل ما رأيناه: التستّر والتحجّب، بالشّروط الّتي ذكرناها.

- الغارة على الأسرة المسلمة (1) المرأة بين الكرامة والمهانة

خطبة الجمعة ليوم 13 محرّم 1425 هـ الموافق ليوم 5 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] أمّا بعد:

فقد روى البخاري عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قالت النّساءُ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فوعدهنَّ يوماً لَقِيَهُنَّ فيه، فوعظهنّ، وأمرهنّ.

ومثله ما رواه البخاري ومسلم - واللّفظ له - عن جابرِ بنِ عبد اللهِ رضي الله عنهما قال: شهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الصّلاةَ يومَ العيدِ، فأمرَ بتقوَى اللهِ، وحثَّ على طاعتِهِ، ووعظَ النّاس وذكّرَهم، ثمّ مضى حتّى أتى النّساءَ، فوعظهنَّ، وذكّرهنَّ، فقال: (( تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ )) ... الحديث.

- الغارة على الأسرة المسلمة (2) تاريخ الغارة على المرأة

28 محرّم 1425 هـ/ 19 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد شرعنا معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات في خوض هيجاءَ ساخنة، وحربٍ طاحنة .. حربٍ ضدّ أدعياء التحرّر والتطوّر، الّذين يريدون إبعاد الدّين عن الحياة بما يفوق كلّ تصوّر .. حربٍ تستوي فيها الضحيّة والسّلاح، فالضحيّة فيها: المرأة المسلمة، والسّلاح فيها: المرأة المسلمة.

ونساؤنا أمام هذه الفتنة العمياء أصناف أربعة:

- الغارة على الأسرة المسلمة (3) كيف نصدّ هذه الغـارة ؟

5 صفر 1425هـ/ 26 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد رأينا معًا في لقائنا الأخير تاريخ المرأة القديم .. رأينا المرأة بين مخالب اللِّئام وتكريم الإسلام .. بين هوان الجاهليّة وعزّة الحنيفيّة .. ممّا يجعلنا ندرك جليّا أنّ ما يسعى إليه دعاة التحرّر ! هو في الحقيقة العودة إلى الجاهليّة الأولى.

يا دُرّةً، حُفِـظـت بالأمـس غاليـةً *** واليوم يبغونـها للّهـو واللّعـب

يا حُـرّةً، قد أرادوا جَعْـلَهـا أمـةً *** غربيّة العقل لكنّ اسمـها عربـي

هل يستـوي من رسـول الله قائـده *** دَوماً، وآخر هاديـه أبو لـهب

أين من كـانت الزّهـراء أُسـوتَـها *** ممّن تقفّت خُطـا حمّـالة الحطب

سَمَّـوا دعـارتهم: حـرّيـةً كـذباً *** باعوا الخلاعة باسم الفنّ والطّرب

هُمُ الذّئاب وأنت الشّـاة فاحترسـي *** من كلّ مفتـرسٍ للعرض مستلب

أختـاه، لستِ بنَبـتٍ لا جـذور له *** ولستِ مقطوعة مجهـولة النّسـب

- الغارة على الأسرة المسلمة (4) الحـجـاب

12 صفر 1425هـ / 2 أفريل 2004م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا الرّابع في هذه السّلسلة المباركة إن شاء الله، نحاول من خلالها الوقوف أمام غزو الغربيّين والمستغربين، وزحف الملحدين والمعاندين.

وكان آخر لقاءٍ معكم قد تضمّن الحديث عن تصحيح كثير من المفاهيم: مكانة المرأة في الإسلام، والمفهوم الصّحيح للعدل، والفوارق بين الرّجل والمرأة. وتبيّن لنا جليّا معنى قول المولى تبارك وتعالى:{وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ منْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [النساء:32]، فقد نهى الله جلّ جلاله عن مجرّد التمنّي، فكيف بمن أنكر الفوارق بين الرّجل والمرأة ؟!

وإنّ من أهمّ وأعظم وأكبر الفوارق بين الرّجل والمرأة الحـجـاب.. فمبنى المرأة على السّتر وأن تبقى في الخدور، ومبنى الرّجل على البدوّ والظّهور.

ولم تكن هذه القضيّة مثار جدل بين المسلمين على مدى العصور، إلاّ في منتصف القرن الرّابع عشر عند انحلال الدّولة الإسلاميّة إلى دويلات، وتحوّلها إلى لقيمات هزيلات.

فما معنى الحجاب ؟ وما أنواع الحجاب ؟

Previous
التالي

الثلاثاء 03 ذو الحجة 1431 هـ الموافق لـ: 09 نوفمبر 2010 09:39

- السّيرة النّبويّة (18) خمس وقفات مع فترة الوحـي.

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله وكفى، والصّلاة والسّلام على النبيّ المصطفى، أمّا بعد:

فقد تناولنا في الحلقة السّابقة الأيّام الأولى من بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، حيث قطعنا على أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها حديثها، لنبيّن أثر الوحي في الأرض والسّماء.

فتعالوا بنا نرى تتمّة حديثها رضي الله عنها الطّويل في بدء الوحي، حيث قالت: ( وَفَتَرَ الْوَحْيُ ).

والفترة في اللّغة: هي السّكون والانقطاع؛ وفتر الشّيء: ضعُف وسكن بعد حدّة ولان بعد شدّة.

والمراد من فترة الوحي: احتباسه، وعدم تتابعه وتواليه في النزول.

ولم تبيّن لنا أمّ المؤمنين رضي الله عنها تفاصيل هذه الفترة، ولا المراد من كلامها، فنلجأ إلى الصّحابيّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاريّ يحدّثنا عن ذلك.

قال جَابِر رضي الله عنه - والحديث في صحيح البخاري -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ:

(( بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ.

فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي ! زَمِّلُونِي ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} إِلَى قَوْلِهِ:{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْفَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ )).

فلنا مع هذا الحدث وقفات مهمّات:

1- الوقفة الأولى: مدّة انقطاع الوحي.

اختلفوا في مدّة هذه الفترة، وقد تناقلت بعض الكتب القول بأنّها كانت ثلاث سنوات ! أو سنتين ونصف ! وكيف لا ينتشر هذا القول وهو ممّا جزم به الإمام محمّد بن إسحاق رحمه الله ؟

وفي ذلك نظرٌ، لأمور:

أ‌)  ليس هناك ما يدلّ على هذا القول، إلاّ أثرٌ عن الشّعبيّ، وهو مرسلٌ لا يصحّ.

ب‌)  يعارض هذا القول بما نقله الحافظ ابن حجر عن البيهقيّ رحمه الله أنّ مدّة هذه الفترة كانت ستّة أشهر. وهذا القول أيضا لا دليل عليه، وإنّما ذكرناه لنبيّن أنّ القول الأوّل عُورض بمثله.

ت‌)  ثمّ إنّه من المقرّر أنّ القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة، ولو قلنا إنّ فترة الوحي دامت ثلاثة أعوام أو سنتين ونصف للزِم أن ينزل القرآن في أقلّ من ذلك.

ث‌)   جاء ما يبيّن أنّ مدّة هذه الفترة لم تتعدّ شهرا، وهو روايةٌ لمسلم في الفترة عن جابرٍ رضي الله عنه  نفسِه، وفيها:

أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم قال:

(( جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا.

ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْنِي جِبْرِيلَ عليه السّلام - فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي! فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً فأنزل الله عزّ وجلّ:{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ })).

2- الوقفة الثّانية: الحكمة من وراء هذا الانقطاع.

أعظمها حكَمٌ ثلاث:

أ‌) تسهيل الأمر على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

فإنّ الوحي عن طريق الملائكة ليس من الأمر السّهل الذي يمكن تحمّله، لكونه من عالم الغيب، وأنّ الإنسان يألف ما يراه ويلمسه ويشاهده، وما سمّي الإنسان بالإنسان إلاّ لأنّه يُؤنس به.

فلو تتابع مجيء الملك إليه في الأيّام الأولى لشقّ ذلك على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فناسب أن ينقطع، حتّى يعتاد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على مخاطبة الملك شيئا فشيئا.

وممّا يدلّ على مشقّة مجيء الملك في صورته ما في الصّحيحين عن عائشةَ رضي الله عنها:

أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:

(( أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ - وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ - فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ )).

قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا !.

ب‌) إزالة الخوف عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

فإنّ الوحي من الصّعب تصديقه، لأنّه من عالم الغيب كذلك، حتّى جعل الله الإيمان بالغيب ممّا يميّز المؤمن عن الكافر، فقال تعالى واصفا عباده المؤمنين المتّقين:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة:3].

ورأينا قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول لخديجة: (( أَخْشَى أَنَّ بِي جَنَناً )). ويوم أوحِي إليه قال: (( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ..)).

لذلك يصاحب الوحيَ ذلك الرّعب والفزع الذي اختلج نفس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما اختلج من قبله:

فالله يقول لموسى عليه السّلام:{يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: من الآية10].

وعن لوط عليه السّلام قال:{وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لا تَخَفْ} [العنكبوت: من الآية33].

ج) إزالة الشّبهة عن الوحي:

فالسرّ في هذا الانقطاع أيضا: ألاّ تبقى هنالك شبهة لمرضى القلوب أنّ ما يجده من الوحي الإلهي إنّما هو من طول التأمّل والتّفكير والعزلة.

فقد غاب عنه الملك جبريل عليه السّلام مدّةً وعاد إليه بعد طول غياب بالوحي نفسه دون عزلة ولا تأمّل أو تفكير. فهنا تزول عنه وعن غيره كلّ شبهة.

وأوّل من احتاج إلى إزالة هذه الشّبهة عنه هو النبيّ المرسل إليه الموحَى إليه نفسه.

3- الوقفة الثّالثة: بيان ضعف رواية مدرجة.

ممّا أدرجه الإمام الزّهري رحمه الله في إحدى روايات البخاري قوله:

( وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً، حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ، تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ! إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا ! فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ).

وهذه الزّيادة لا تصحّ من وجوه:

أ‌)  تفرّد بها معمر بن راشد، دون يونس بن يزيد وعُقَيل بن خالد، فهي شاذّة.

ب‌)  أنّها مرسلة بل معضلة، فإنّ الزّهري قال: " فيما بلغنا "، قال الحافظ في " الفتح "(12/302):" وهو من بلاغات الزّهريّ وليس موصولا "، ومن المقرّر لدى أهل العلم بالحديث أنّ بلاغات الزّهري كالرّيح.

ت‌)  أنّ هذه الزّيادة منكرة، فلا يليق أبدا بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم  أن يحاول قتل نفسه ويتردَّى من الجبل، وهو القائل صلّى الله عليه وسلّم:

((مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا )) [رواه البخاري ومسلم].

4- الوقفة الرّابعة: بيان ضعف القول بأنّ سورة الضّحى نزلت بعد هذه الفترة.

اعتمد القائلون بذلك على ما رواه البخاري ومسلم عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ:

احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عليه السّلام عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ ! فَنَزَلَتْ: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)}.

والصّحيح: أنّ انقطاع وفترة الوحي حدث مرّتين:

ففي المرّة الأولى طالت فترته كما مرّ.

وفي الثانية: نزلت بعدها سورة الضّحى، ولم تطُل كالأولى، ويؤيّد ذلك أنّ هذه الفترة تأخّرت حتّى نزل من القرآن ما شاء الله أن ينزل، وفُرض قيام اللّيل على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

ففي رواية للبخاري عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ:

اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ ! إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عزّ وجلّ: { وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} قال ابن عَبَّاس رضي الله عنه: ( مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ ).

5- الوقفة الخامسة:أوّل ما نزل من القرآن مطلقا.

حديث عائشة في بدء الوحي نصّ على أنّ أوّل سورة نزلت هي العلق، وأنّ سورة المدّثر نزلت بعد انقطاع الوحي.

فما رواه البخاري عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} محمول على الأوّلية بالنّظر إلى ما بعد الفترة، لا الأوّلية المطلقة.

عـــودٌ إلى مـكـــّة:

وهكذا يُرسَل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم .. وما كان بالأمس حُلما جميلا، أصبح اليوم حِمْلا ثقيلا ..

وما كان بالأمس القريب مجرّد إشارات وتلميحات، أضحى اليوم حقائق واضحات ..

فدلّه الله تعالى على أنّ قوام الأمر بالعلم بـ{اِقْرَأْ}، ومقتضى هذا العلم:{قُمْ فَأَنْذِرْ} وثمرة الإنذار: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فاَهْجُرْ}، وأنّه محفوف من جميع النّواحي بـ:{وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}..

حتّى كانت آخر سورة نزلت من القرآن:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً}..

وعند الله تجتمع الخصوم فكانت آخر آية:{وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [البقرة:281].

وبدأت الدّعوة .. فكيف كانت بدايتها ؟ هذا ما سنسلّط عليه الضّوء في حلقة مقبلة إن شاء الله.

أخر تعديل في الخميس 29 صفر 1432 هـ الموافق لـ: 03 فيفري 2011 09:29

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.