أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]

مختارات

- الغارة على الأسرة المسلمة (8) هكذا كوني ... أو لا تكوني

خطبة الجمعة ليوم 1 ربيع الثّاني 1425 هـ / 21 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فاليوم نضع رحالنا عند آخر محطّة من هذه السّلسلة المباركة في الحديث عن المرأة المسلمة، بعد أن رأينا أهمّ وسائل ثباتها، وأعظم ما تقاوم به أعداءها.

اليوم نودّعك أيّتها الأخت المسلمة بكلمات نزفّها إليك، تسبغ جلباب العزّة عليك:

إليك حملنا القلب خفّاقا *** وكسونا كلماتنا نورا وإشراقا 

نودّعك على أمل أن تكوني مرابطةً على ثغور الإسلام، مصابرة لأعداء الله اللّئام ..

ولنجعل موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله بعنوان:" المرأة الّتي نريد "، أو:" هكذا كوني .. أو لا تكوني"..

- الغارة على الأسرة المسلمة (7) حصـاد الإعـلام

يوم 18 ربيع الأوّل 1425 هـ/ 7 مـاي 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

أيّها المؤمنون والمؤمنات.. فقد سبق أن ذكرنا أنّ الحديث عن المرأة المسلمة لا بدّ أن يطول ويطول، وأنّ الجميع لديه فيه ما يقول، كيف لا، وهي حامية البقاع، وحارسة القلاع ؟ كيف لا، وهي تتعرّض لغزو الكفرة بالعشيّ والإبكار، ومخطّطات الفجرة باللّيل والنّهار ؟ كيف لا نطيل الحديثَ عنها لتستمع إلينا قليلا، وقد استمعت إلى غيرنا زمنا طويلا ؟

ورأينا أن يكون موضوع خطبتنا اليوم إن شاء الله تعالى يتناول سلاحا من أعظم الأسلحة المدمّرة لبيوت المسلمين .. وسبيل من أخطر السّبل على قلوب المؤمنين .. سلاح تُستعْمر به العقول قبل الحقول .. وتُسلب به قلوب العباد قبل خيرات البلاد .. ضحيّته لا يعدّ شهيدا في سبيل الله، ولكن يعدّ طريدا من رحمة الله .. ذلكم هو " الإعـلام ".. وما أدراك ما الإعلام ؟!

هذا ما سنبيّنه بإذن الله تعالى في نقاط مهمّات:

- الغارة على الأسرة المسلمة (6) عمل المرأة: حلول وضوابط

خطبة الجمعة ليوم 4 ربيع الأوّل 1425هـ / 23 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا السّادس معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات للحديث عن موضوع المرأة المسلمة، وما يُكاد لها في وضح النّهار، وهو ما أردنا أن نسمّيه بـ" الغارة على المرأة المسلمة "..

رأينا تاريخ هذا الغزو، وبعض أساليبه، وكيف لنا أن نقاوم هذه الأساليب ؟ وكيف نحمي المرأة من هذه الألاعيب ؟ وكان آخر ما رأيناه هو الحديثَ عن شروط خروج المرأة المسلمة، سواء كان خروجها إلى المسجد، أو إلى غيره.

ولكنّ كثيرا من نسائنا يرون ضرورة الخروج إلى العمل، وهنّ أصناف في ذلك: من تخرج لتلبية رغباتها، أو تخرج لقضاء حاجاتها، أو تخرج لأنّها حُرمَت ممّن يغار عليها.

فرأينا أن يكون حديثنا اليوم إن شاء الله تعالى عبارةً عن ثلاثة نداءات: نداء إلى المرأة نفسها، ونداء إلى ولاة الأمور، ونداء يوجّه إلى الرّجل.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وأن لا تكون هذه النّداءات كصرخة في صحراء.

- الغارة على الأسرة المسلمة (5) فضائل الحجاب وشروط خروج المرأة

19 صفر 1425 هـ/ 9 أفريل 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] 

فإنّنا قد رأينا في خطبتنا الأخيرة أهمّ الأسلحة الّتي يقاوِم المسلمون بها المفسدين، وأعظم ما يوقِفُ زحف أدعياء التحرّر من الملحدين، ذلكم هو الحجاب، وما أدراك ما الحجاب ؟ شعارٌ للعفّة والثّواب، واستجابة للعزيز الوهّاب.

وإذا رأيت الهابطات فحوقلي *** وقفي على قمم الجبال وتحجبي 

وقد تبيّن لنا أنّ الحجاب ثلاثة أنواع: قرار في البيت، وحجاب أمام المحارم، وحجاب أمام الأجانب.

وقد تُضطرّ المرأة إلى الخروج كما سبق بيانه، وقد روى البخاري ومسلم عن عائشةَ رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ )).

فإذا خرجت فكيف تخرج ؟ فإنّ قرار المرأة في بيتها عزيمة، وإنّ خروجها رخصة، فلا بدّ أن تتوفّر شروط لخروجها، وكان أوّل ما رأيناه: التستّر والتحجّب، بالشّروط الّتي ذكرناها.

- الغارة على الأسرة المسلمة (1) المرأة بين الكرامة والمهانة

خطبة الجمعة ليوم 13 محرّم 1425 هـ الموافق ليوم 5 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء] أمّا بعد:

فقد روى البخاري عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال: قالت النّساءُ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فوعدهنَّ يوماً لَقِيَهُنَّ فيه، فوعظهنّ، وأمرهنّ.

ومثله ما رواه البخاري ومسلم - واللّفظ له - عن جابرِ بنِ عبد اللهِ رضي الله عنهما قال: شهِدتُ مع رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الصّلاةَ يومَ العيدِ، فأمرَ بتقوَى اللهِ، وحثَّ على طاعتِهِ، ووعظَ النّاس وذكّرَهم، ثمّ مضى حتّى أتى النّساءَ، فوعظهنَّ، وذكّرهنَّ، فقال: (( تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ )) ... الحديث.

- الغارة على الأسرة المسلمة (2) تاريخ الغارة على المرأة

28 محرّم 1425 هـ/ 19 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد شرعنا معكم أيّها المؤمنون والمؤمنات في خوض هيجاءَ ساخنة، وحربٍ طاحنة .. حربٍ ضدّ أدعياء التحرّر والتطوّر، الّذين يريدون إبعاد الدّين عن الحياة بما يفوق كلّ تصوّر .. حربٍ تستوي فيها الضحيّة والسّلاح، فالضحيّة فيها: المرأة المسلمة، والسّلاح فيها: المرأة المسلمة.

ونساؤنا أمام هذه الفتنة العمياء أصناف أربعة:

- الغارة على الأسرة المسلمة (3) كيف نصدّ هذه الغـارة ؟

5 صفر 1425هـ/ 26 مارس 2004 م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فقد رأينا معًا في لقائنا الأخير تاريخ المرأة القديم .. رأينا المرأة بين مخالب اللِّئام وتكريم الإسلام .. بين هوان الجاهليّة وعزّة الحنيفيّة .. ممّا يجعلنا ندرك جليّا أنّ ما يسعى إليه دعاة التحرّر ! هو في الحقيقة العودة إلى الجاهليّة الأولى.

يا دُرّةً، حُفِـظـت بالأمـس غاليـةً *** واليوم يبغونـها للّهـو واللّعـب

يا حُـرّةً، قد أرادوا جَعْـلَهـا أمـةً *** غربيّة العقل لكنّ اسمـها عربـي

هل يستـوي من رسـول الله قائـده *** دَوماً، وآخر هاديـه أبو لـهب

أين من كـانت الزّهـراء أُسـوتَـها *** ممّن تقفّت خُطـا حمّـالة الحطب

سَمَّـوا دعـارتهم: حـرّيـةً كـذباً *** باعوا الخلاعة باسم الفنّ والطّرب

هُمُ الذّئاب وأنت الشّـاة فاحترسـي *** من كلّ مفتـرسٍ للعرض مستلب

أختـاه، لستِ بنَبـتٍ لا جـذور له *** ولستِ مقطوعة مجهـولة النّسـب

- الغارة على الأسرة المسلمة (4) الحـجـاب

12 صفر 1425هـ / 2 أفريل 2004م

الخطبة الأولى: [بعد الحمد والثّناء]

فهذا لقاؤنا الرّابع في هذه السّلسلة المباركة إن شاء الله، نحاول من خلالها الوقوف أمام غزو الغربيّين والمستغربين، وزحف الملحدين والمعاندين.

وكان آخر لقاءٍ معكم قد تضمّن الحديث عن تصحيح كثير من المفاهيم: مكانة المرأة في الإسلام، والمفهوم الصّحيح للعدل، والفوارق بين الرّجل والمرأة. وتبيّن لنا جليّا معنى قول المولى تبارك وتعالى:{وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ منْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [النساء:32]، فقد نهى الله جلّ جلاله عن مجرّد التمنّي، فكيف بمن أنكر الفوارق بين الرّجل والمرأة ؟!

وإنّ من أهمّ وأعظم وأكبر الفوارق بين الرّجل والمرأة الحـجـاب.. فمبنى المرأة على السّتر وأن تبقى في الخدور، ومبنى الرّجل على البدوّ والظّهور.

ولم تكن هذه القضيّة مثار جدل بين المسلمين على مدى العصور، إلاّ في منتصف القرن الرّابع عشر عند انحلال الدّولة الإسلاميّة إلى دويلات، وتحوّلها إلى لقيمات هزيلات.

فما معنى الحجاب ؟ وما أنواع الحجاب ؟

Previous
التالي

الخميس 02 جمادى الثانية 1432 هـ الموافق لـ: 05 ماي 2011 06:59

- تفسير سورة البقرة (24) تدبّر القرآن والعمل به سبب الهداية

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)}

المسألة الأولى: بيان المناسبة.

هذه الآية ردٌّ على الشّبهات الّتي يوردُها الكفّار على كتاب الله عزّ وجلّ:

فقد افتُتحَت سورة البقرة بنفي الرّيب عن القرآن بالقول:{ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}.

ثمّ جاء نفي الرّيب عنه بالتحدّي:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}.

ثمّ جاء نفي الرّيب عنه بالردّ على الكافرين المعترضين، فقد طعنوا في القرآن بسبب ما وقع فيه من ضرب الأمثال، فجاءهم الجواب من الكبير المتعال:{إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}.

المسألة الثّانية: بيان سبب النّزول.

للعلماء في سبب نزول هذه الآية قولان:

أ) قول ابن عبّاس وابن مسعود رضي الله عنهما قالا: لمّا ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله تبارك وتعالى:{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً}، {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاء} الآيات - قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله سبحانه:{إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} إلى قوله:{أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ}.

ب) قول قتادة رحمه الله: إنّ الله حين ذكر في كتابه الذّباب والعنكبوت، قال أهل الضّلالة: ما أراد الله من ذكر هذا ؟ فأنزل الله الآية.

والقول الأوّل هو الصّواب إن شاء الله؛ وذلك لثلاثة أمور:

الأوّل: لأنّه قول الصّحابة، وقولهم مقدّم على غيرهم.

الثّاني: لأنّ قول قتادة يُشعِر أنّ هذه الآية مكّية، وليس الأمر كذلك.

الثّالث: لأنّه مناسب ومرتبط بما قبلها، من ذكر المثلين: النّاري والمائيّ، بخلاف العنكبوت والذّباب، لم يسبق لهم ذكر.

من أجل ذلك اختاره ابن جرير الطّبري رحمه الله وغيره.

المسألة الثّالثة: شرح الألفاظ وبيان المعاني.

-( إنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا ): يقال (استحى) و(استحيى)، قال الأخفش رحمه الله:" استحى بياء واحدة لغة تميم، وبياءين لغة أهل الحجاز، وهو الأصل " [انظر " الصّحاح "، و" اللّسان "].

ومعنى الآية: إنّ الله تبارك وتعالى لا يستنكف ولا يمتنع أن يضرب أيّ مثلٍ كان، بأيِّ شيء كان، صغيرا أو كبيرا، فإنّ ذلك ليس من الأمور الّتي تنافي الكمال والجلال حتّى يستحيي الله منه.

-( مَثَلاً مَا ): تقول: أكرِم رجلا ما، أي: مطلقا أيّا كان، فكذلك قوله: ( مثلاً ما ) أي: مطلقا، صغيرا أو كبيرا، سواء كان:

-( بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ): قولان للعلماء:

أ‌) أي: فما دونها في الصّغر، كما تقول العرب: فلان جاهل بل فوق ذلك، أي: دون ذلك.

وقد ضرب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مثلا بما هو دون البعوضة وهو جناحها، فقد روى التّرمذي وابن ماجه عن سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )).

وفي الصّحيحين عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ )) قال: اقْرَءُوا:{فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}.

ب‌) المعنى: ما زاد عليها في الكبر، وهذا هو الظّاهر، لأنّه الأصل في معنى ( فوق ).

-( فَأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ): هم المتّقون الّذين بدأت السّورة بذكرهم، فآمنوا بالغيب، وأقاموا الصّلاة، وأنفقوا ممّا رزقهم الله، وآمنوا بما أنزل إليهم وما أنزل من قبلهم، وأيقنوا بالآخرة.

-( فَيَعْلَمُونَ ): وفي هذا إشارة إلى أنّ أعظم طريق للعلم والفهم هو الإيمان والعمل بما يقتضيه، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً} [الأنفال من:29]، وقال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد:28].

-( أَنَّهُ ): الهاء تعود على المثل.

-( الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ): أي: إنّ المؤمنين يعلمون أنّ الله عزّ وجلّ حقّ لا يقول غير الحقّ، ويوفّقهم الله تعالى لفهم أمثاله المضروبة في القرآن الكريم، كلٌّ بحسب علوّ كعبه في الإيمان، قال تعالى:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43]، وقال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: من الآية21].

-( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً ): أي: إنّ الّذين كفروا لا يفقهون من أمثال الله شيئا، لخلوّ قلوبهم عن الإيمان، وعجز جوارحهم عن العمل الصّالح.

والنّتيجة أنّهم يُحجَب عنهم النّور، فلا يرون الأشياء على حقيقتها، فيتحيّرون ويعجبون .. بل يرون الباطل حقّا، والحقَّ باطلا، ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة ؟ والإشارة بقولهم: ( بِهَذَا ) مفيدة للتّحقير، كقولهم:{أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء من:36].

وكما قال المولى تبارك وتعالى:{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النّور من: 40]؛ لذلك قال:

-( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ): أي: يزيد الكفّارَ ضلالا وحيرةً، والمؤمنين هُدىً وطمأنينة، كما قال سبحانه في موطن آخر:{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} [التّوبة].

وجرت عادة القرآن الكريم على ذمّ الكثرة، ومدح القلّة، فلماذا قال هنا:{وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} ؟

ولأهل العلم جوابان:

أ) أنّ أهل الشّكر كثير، ولكنّ الّذين مدحهم الله عزّ وجلّ هم المبالغون في الشّكر، وهم قليل، كما في قوله:{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ من:13]، وهذا ظاهر كلام الشّيخ طاهر بن عاشور رحمه الله.

ب) أنّ الكثرة إنّما تذمّ إذا كان الحديث عن الخلق جميعا، أمّا في مقام الحديث عن فريق من الكافرين، وفريق من المؤمنين، في حادثة خاصّة:

فتمدح الكثرة في جانب المؤمنين؛ لأنّ الله تعالى يهديهم حينها إلى الّتي هي أقوم، والّتي هي أرشد.

وتذمّ الكثرة الكاثرة في صفوف الكافرين؛ لأنّهم لم يهتدُوا بما صرّفه الله تعالى إليهم من الأمثال.

-( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ ): وفي هذا بيانٌ أنّ الفسق أعظم أسباب الضّلال والانحراف.

ومصداق ذلك ما رواه مسلم عن حذيْفَةَ رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ: (( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ:

عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.

وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا[1] كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا )).

والفسق لغة: الخروج من الشّيء، وهو مأخوذ من قولهم: فسقت الحبّة من قشرها، أي: خرجت.

أمّا معناه شرعا: الخروج من طاعة الله عزّ وجلّ، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان.

-( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ ): النّقض هو الحلّ، وإفساد ما أُبْرِم.

-( عَهْدَ اللهِ ): هي عهود كثيرة:

أوّلها عهد الفطرة الّذي أخذه الله على بني آدم:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا}.

الثّاني: العهد الّذي أخذه الله تعالى منهم عن طريق رسله، فقد أقرّوا به، والتزموا الطّاعة والمتابعة، ثمّ كفروا فنقضوه، قال تعالى:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس:60]، وفي سورة البقرة آيات كثيرة تذكّرهم بالميثاق والعهود.

الثّالث: العهد الّذي أخذه عليهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنقضوه مرارا؛ لذلك قال عزّ وجلّ:{إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ}.

-( مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ): الميثاق هو: العهد المؤكّد باليمين، على وزن ( مفعال ) من الوثاقة والمعاهدة، وهي الشدّة في العقد والرّبط، والجمع المواثيق.

-( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ): قيل: هي الرّحم والقرابة.

والصّواب -والله أعلم-: أنّ المراد أعمّ من ذلك، فكلّ ما أمر الله بوصْله وفعلِه فقطعوه يدخل في ذلك، كوصل روابط الأخوّة، وخاصّة أنّ من شِيمِ اليهود وخصالهم البارزة: النّميمة والوقيعة بين المؤمنين.

والرّحم والقرابة داخلتان في ذلك دخولا أولويّا.

وكثيرا ما يقرِن الله تبارك وتعالى بين عهده وصلة الرّحم والقرابة، فقال تعالى يصف فظاعة المشركين وشناعة فعلهم:{كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً} [التوبة من: 8]، و(الإلّ) هو القرابة، و(الذمّة): العهد، وهما المذكوران أيضا في قوله عزّ وجلّ:{تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ}.[انظر "مجموع الفتاوى" (29/140)].

-( وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ): يعملون فيها بالكفر والشّرك والمعاصي.

وكذلك كثيرا ما يقرن الله عزّ وجلّ بين الإفساد وقطع الأرحام كما في قوله تعالى:{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمّد: 22].

ذلك لأنّ الكفر يجعل صاحبه لا يصل رحمه وقرابته، إمّا:

استهتارا بمنزلتها.

أو بمقتضى الهجر والبراء الّذي يحصُل بسبب الكفر.

وإذا انقطعت الأرحام، اختلطت الأنساب، وضاعت الحقوق، وحصل الفساد.

-( أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ): حصر فيهم الخسران توكيدا لقوله تعالى قبل:{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}، وليقابل مدحه للمؤمنين بقوله سبحانه وتعالى:{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

المسألة الثّالثة: إثبات صفة الحياء لله عزّ وجلّ.

مذهب أهل السنّة إثبات صفة الحياء لله عزّ وجلّ كما يليق بجلاله، لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَ}، وقوله تعالى:{وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَق} [الأحزاب: من الآية 53].

وروى أبو داود والتّرمذي عن سلمانَ الفارسِيِّ رضي الله عنه عن النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ )).

وروى البخاري ومسلم عن أبي واقدٍ اللّيثِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ )).

وروى أبو داود عن يعلى رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ بِلَا إِزَارٍ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ عزّ وجلّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ )).

وقد أوّل بعضهم صفة الحياء بأنّ المراد بها: ترك العقوبة، كما فعل الحليمي، والنّووي، وابن حجر رحمهم الله.

والصّواب إثباتها على الحقيقة دون تأويل، وأنّ ترك العقوبة من لوازم الحياء، قال المباركفوري رحمه الله:" حييّ: فعيل من الحياء، أي كثير الحياء، ووصفه تعالى بالحياء يُحمل على ما يليق به كسائر صفاته، نؤمن بها ولا نكيّفها ".

وقال خليل هرّاس رحمه الله في شرح " نونيّة ابن القيّم ":

" وحياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين الّذي هو تغيّر وانكسار يعتري الشّخص عند خوف ما يُعاب أو يُذمّ، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده، وكرمه، وعظيم عفوه، وحلمه، فالعبد يُجاهر بالمعصية مع أنّه أفقر شيء إليه، وأضعفه لديه، ويستعين بنعمته على معصيته، ولكنّ الربّ سبحانه مع كمال غناه، وتمام قدرته عليه، يستحي من هتك ستره وفضيحته، ثمّ بعد ذلك يعفو عنه ويغفر " اهـ

والله الموفّق لا ربّ سواه.



[1] المربادّ: هو الأسود فيه قليل من البياض. و( مجخّيا ): أي منكوسا ومقلوبا.

أخر تعديل في الخميس 02 جمادى الثانية 1432 هـ الموافق لـ: 05 ماي 2011 07:04

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.